نقول بتوفيق الله أن السياق سياق طاعة لله، سياق تقرب من عبد لمولاه ومن مخلوق لخالقه فالسياق سياق خضوع وانكسار، ألا تتفق معي أن الياء هي الوحيدة من ثلاثية حروف المد هي التي توحي بذلك.
كل هذا التسبيح يزيل ما علق بنفس الحبيب المصطفي - صلي الله عليه وسلم - من قول هؤلاء المعاندين المعارضين، وهذا إن دل علي شيء فإنما يدل علي مدي رقة الحبيب ومدي سماحته - صلي الله عليه وسلم - كذلك يدل علي غلاظتهم وعنف قولهم.
الموضع الثاني
-قوله تعالي: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءي حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) [1] .
والشاهد في هذه الآية لفظ (وراءي) الذي ورد بالياء والمعهود عليه حذفها (وراء) فما دلالة ذلك.
إن السياق العام للقرآن يفيد جدا في فهم هذه المسألة، ونقصد بالسياق العام فهم النصوص في ضوء بعضها البعض، وهو ما يساوي التنامي بمصطلحات علم لغة النص.
إن هذه الكلمة جاءت في موضع آخر وكتبت بدون الياء (وراء) في قول الحق تبارك وتعالي:
- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلا مُسْتَانِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا) [2] .
إن المتأمل في الآيتين يجد الكلام عن حجاب (من وراءي حجاب) و (من وراء حجاب) فتزداد في حجمها علامة الاستفهام.
(1) الشوري/ آية 52
(2) الأحزاب/ آية 53