فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 24

دين الله لأن الثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه خص الملتزم بالدعاء وليس بالصلاة أمامه! وكذلك بالنسبة للحجر الأسود لا يجوز للعبد أن يخصه بعبودية خاصة له لكونه من أحجار الجنة غير ما خصه به النبي - صلى الله عليه وسلم - من استلامه وتقبيله!

فيجب على العبد أن يعبد الله بما شرع بدون زيادة ولا نقصان، فإخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - عن تلك البقعة من المسجد أنها روضة من رياض الجنة لا يسوغ للعبد أن يخصها بعبادات لكونها روضة من رياض الجنة بدون دليل شرعي، ولو كانت كذلك لحرص على فعلها الصحابة الأبرار الذين حرصوا على اقتفاء أثر النبي - صلى الله عليه وسلم - وتبيين هديه في أدق الأمور كهديه في الخلاء والجماع وهديه في دعاء الاستفتاح في الصلاة وغيرها، فكيف يغفلون عن تبيين فضيلة الصلاة أو الدعاء أو الاعتكاف في تلك البقعة من المسجد دون غيرها؟، لا سيما أن سير الصحابة مليئة بإنكارهم على من زاد أو نقص أو ابتدع في العبادة، فلقد صح عن ابن مسعود انكاره على من تحلقوا في مسجد النبي وذكروا الله بشكل جماعي، وأنكر ابن عمر على الرجل الذي إذا عطس حمد الله وصلى على النبي، فانكر عليه صلاته على النبي بهذه الكيفية، وأنكر ابن عباس على من تمسَّح بأركان الكعبة المشرفة الأربعة! فبين له أن السنة في الطواف أن يستلم الرجل الحجر الأسود والركن اليماني إن استطاع لذلك سبيلا. فتبين من انكار الصحابة عليهم أن العبادة مبناها على السنة والاتباع، لا على الأهواء والابتداع!

ويؤكد هذا معرفة معنى الحديث كما بينه علماء الإسلام وشرُّاح الحديث:

قال ابن حجر رحمه الله في فتح الباري في معنى قوله: (روضة من رياض الجنة) :"أي كروضة من رياض الجنة في نزول الرحمة وحصول السعادة بما يحصل من ملازمة حلق الذكر لا سيما في عهده - صلى الله عليه وسلم - فيكون تشبيهًا بغير أداة، أو المعنى أن العبادة فيها- وفي سائر المسجد النبوي- تؤدي إلى الجنة فيكون مجازًا، أو هو على ظاهره وأن المراد انه روضة حقيقة بأن ينتقل ذلك الموضع بعينه في الآخرة إلى الجنة. وهذا مُحصّل ما أوله العلماء في هذاالحديث، وهي على ترتيبها هذا في القوة،" [1]

وقال النووي عند شرحه لهذا الحديث في صحيح مسلم:"قوله - صلى الله عليه وسلم: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة» ذكروا في معناه قولين: أحدهما أن ذلك الموضع بعينه ينقل إلى الجنة، والثاني أن العبادة فيه تؤدي إلى الجنة" [2]

وقال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله في بيان لفظة قبري بدل بيتي:"الثابت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة» ، هذا هو الثابت في الصحيح، ولكن بعضهم رواه بالمعنى فقال قبري. وهو صلى الله عليه وسلّم حين قال هذا القول لم يكن قد قبر بعد ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ ولهذا لم يحتج بهذا أحد من الصحابة، لما تنازعوا في موضع دفنه، ولو كان هذا عندهم لكان نصًا في محل النزاع. ولكن دفن في حجرة عائشة في الموضع الذي مات فيه، بأبي هو وأمي صلوات الله عليه وسلامه." [3]

(1) فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب فضائل المدينة 4/ 587

(2) شرح صحيح مسلم للنووي، كتاب الحج 9/ 136

(3) مجموع فتاوى ابن تيمية رحمه الله 1/ 236

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت