الفصل الرابع
فضل الروضة الشريفة
وردت أحاديث صحيحة في فضل الروضة المشرَّفة كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي أخرجه البخاري من حديث أبي هُريرةَ - رضي الله عنه - عنِ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما بينَ بَيتي ومِنبري رَوضةٌ مِن رياضِ الجنَّة، ومِنبري على حَوضي» .
فهذا الحديث يدل على فضيلة الأعمال التي يقوم بها المؤمنون في المسجد النبوي والتي تؤول بهم إلى روضات الجنات بإذن الله تعالى، كما قال عليه السلام في حديث آخر"إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا"قالوا: وما رياض الجنة؟ قال:"حلق الذكر"وجاء في حديث آخر"الجنة تحت ظلال السيوف"فلم يفهم مسلم من هذا الحديث أن المسلم إذا جلس تحت ظلال السيوف أنه يكون جالسا في جنة الخلد! بل المقصود من الحديث بيان فضيلة الجهاد في سبيل الله الموصل إلى الجنة!!
فالروضة المشرَّفة شرفت على سائر المسجد النبوي بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها أنها روضة من رياض الجنة لحكمة لم يبينها لنا النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولعل تلك البقعة خُصَّت بذلك الشرف دون غيرها من بقع المسجد لكثرة ملامستها قدمي النبي - صلى الله عليه وسلم - الطاهرتين المباركتين أثناء ذهابه وإيابه من البيت إلى المسجد فكان جزاء تلك البقعة التي لامست جلد أطهر مخلوق وأكرمه على الله تعالى أن تدخل الجنة يوم القيامة، كما تشرف منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي لامس جسده الشريف بأن يكون على حوضه يوم القيامة كما في الصحيح!
فهذا غاية ما توصلت إليه في معنى الحديث، ولا يوجد في قوله - صلى الله عليه وسلم - ما يدل بشكل صريح على أن من دخل الروضة فقد دخل الجنة أو من جلس في الروضة فقد جلس في الجنة كما سمعت ذلك من أحد الدعاة إلى الله! ولقد وقفت مؤخرا على حديث للنبي - صلى الله عليه وسلم - يفصل القول في هذه المسألة وهو قوله - صلى الله عليه وسلم:"ليس في الأرض من الجنة إلا ثلاثة أشياء: غرس العجوة، وأواق تنزل في الفرات كل يوم من بركة الجنة، والحجر" [1]
وبالنسبة للعبادة في الروضة فلا يوجد دليل يفضلها على غيرها من بقع المسجد النبوي، ولو كانت العبادة في الروضة المشرَّفة تفضل عن العبادة في سائر المسجد النبوي لكان لازم هذا القول أن الذي يصلي في الروضة أفضل من الذي يصلي في الصف الأول! ولاشك أن هذا الفهم مخالف لنص كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي أمرنا بالحرص والاستباق على الصلاة في الصف الأول كما في صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:" «لَوْ تَعْلَمُونَ (أَوْ يَعْلَمُونَ) مَا فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ، لَكَانَتْ قُرْعَةً» . وَقَالَ ابْنُ حَرْبٍ «الصَّفِّ الأَوَّلِ مَا كَانَتْ إِلاَّ قُرْعَةً» ." [2]
فالصلاة في الروضة المشرَّفة كالصلاة في غيرها من سائر المسجد النبوي، بل إن الصلاة في يمين الصف أفضل من الصلاة في شماله، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم:"إن الله وملائكته يصلّون على ميامن الصفوف"رواه أبو داود عن عائشة، ومعلوم أن شمال الصف يكون في الجهة التي أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها ما بين البيت والمنبر! ولا خلاف بنص قول النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الصلاة في يمين الصف خير من الصلاة في شماله. ولو كانت الصلاة أو العبادة في الروضة لها فضيلة على غيرها من بقع المسجد النبوي لخصها النبي - صلى الله عليه وسلم - بنص واضح وصريح كما خص الله تعالى مقام ابراهيم في الحرم المكي بعبودية خاصة بدليل خاص فقال سبحانه {واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى} ، ولو أن رجلا خص مقام ابراهيم بالدعاء وقال أنه أجوب للدعاء لكونه مكان مبارك لكان مبتدعا في دين الله، ولو أن رجلا خص الملتزم بالصلاة أمامه وقال إن الصلاة أمامه لها فضيلة خاصة لكان مبتدعا في
(1) سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني رقم 3111
(2) صحيح مسلم باب تسوية الصفوف 4/ 133