للسلطان:"فمن سافر إلى المسجد الحرام أو المسجد الأقصى أو مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فصلى في مسجده؛ وصلى في مسجد قباء، وزار القبور كما مضت به سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فهذا هو الذي عمل العمل الصالح. ومن أنكر هذا السفر فهو كافر يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. وأما من قصد السفر لمجرد زيارة القبر ولم يقصد الصلاة في مسجده. وسافر إلى مدينته فلم يصلِّ في مسجده - صلى الله عليه وسلم -، ولا سلَّم عليه في الصلاة بل أتى القبر ثم رجع، فهذا مبتدع ضال، مخالف لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولإجماع أصحابه، ولعلماء أمته. وهو الذي ذُكر فيه القولان:"
أحدهما: أنه محرَّم، والثاني: أنه لا شيء عليه ولا أجر له. والذي يفعله علماء المسلمين هو الزيارة الشرعية: يصلُّون في مسجده - صلى الله عليه وسلم -، ويسلِّمون عليه في الدخول للمسجد وفي الصلاة، وهذا مشروع باتفاق المسلمين." [1] "
وقال رحمه الله:"... بل أنكروا -علماء المسلمين - إذا كان مقصوده بالسفر مجرد القبر من غير أن يقصد الصلاة في المسجد، وجعلوا هذا من السفر المنهي عنه. ولا كان أحد من السلف يفعل هذا بل كان الصحابة إذا سافروا إلى مسجده صلّوا فيه واجتمعوا بخلفائه مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، يسلمون عليه ويصلون عليه في الصلاة، ويفعل ذلك من يفعله منهم عند دخول المسجد والخروج منه. ولم يكونوا يذهبون إلى القبر. وهذا متواتر عنهم، لا يقدر أحد أن ينقل عنهم أو عن واحد منهم أنه كان إذا صلَّى خلف الخلفاء الراشدين يذهب في ذلك الوقت أو غيره يقف عند الحجرة خارجًا منها. وأما دخول الحجرة فلم يكن يمكنهم."
فإذا كانوا بعد السفر إلى مسجده يفعلون ما سنَّه لهم في الصلاة والسلام عليه ولا يذهبون إلى قبره فكيف يقصدن أن يسافروا إليه؟ أو يقصدون بالسفر إليه دون الصلاة في المسجد؟ ومن قال: إن هذا مستحب فلينقل ذلك عن إمام من أئمة المسلمين، ثم إذا نقله يكون قائله قد خالف أقوال العلماء كما خالف فاعله فعل الأمة، وخالف سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإجماع أصحابه وعلماء أمته. قال تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115] . و «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امراء ما نوى» . [2]
وقال رحمه الله:"وأن من قصد أن يجعل بقعة للعبادة فيها كما يسافر إلى المسجد الحرام فإنه قصد ما هو عبادة من جنس الحج. والنبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يحج أحد أو يسافر إلى غير المساجد الثلاثة، والحج الواجب الذي يسمَّى عند الإطلاق حجًا إنما هو إلى المسجد الحرام خاصة. والسفر إلى بقعة للعبادة فيها هو إلى المسجدين، وما سوى ذلك من الأسفار إلى مكان مُعظَّمٍ هو من جنس الحج إليه، وذلك منهي عنه." [3]
يقول شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله:"وتنازعوا حينئذ فيمن سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين هل يقصر الصلاة؟ على قولين .... وبعضهم فرق بين قبور الأنبياء وغيرهم، وقال: إن السفر لمجرد زيارة القبور محرم، كما هو مذهب مالك وأصحابه وقول المتقدمين من أصحاب الشافعي وأحمد. فهؤلاء عندهم أن العاصي بسفره لا يقصر الصلاة. فعلى قولهم لا تقصر الصلاة؛ لكن الذين يسافرون لا يعلمون أن هذا محرَّم، ومن علم أنه محرم لم يفعله، فإنه لا غرض لمسلم أن يتقرب إلى الله بالمحرم. وحينئذ فسفرهم الذي لم يعلموا أنه محرم إذا قصروا فيه الصلاة كان ذلك جائزًا ولا إعادة عليهم، كما لو سافر الرجل لطلب العلم أو سماع الحديث من شخص فوجده كذابًا أو جاهلًا، فإن قصر الصلاة في مثل هذا السفر جائز." [4]
(1) مجموع فتاوى ابن تيمية رحمه الله 27/ 342
(2) مجموع فتاوى ابن تيمية رحمه الله 27/ 344
(3) مجموع فتاوى ابن تيمية رحمه الله 27/ 356
(4) مجموع فتاوى ابن تيمية رحمه الله 27/ 346