أفتى بجواز هذا الشيخ محمد بن ابراهيم آل الشيخ في فتاواه فقال:"وشادُّ الرحال إما أن يريد المسجد فقط، أو القبر فقط، أو هما. فإرادة القبر ليست مشروعة، فالقبور من حيث هي لا تشد لها الرِّحال. أما بدون شد رحل فيجوز، ومرغب فيه."
وأما قصد المسجد فهو مشروع، لقوله - صلى الله عليه وسلم: (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام) . وأما الذي يقصدهما فيجوز، ويدخل القبر تبعا." [1] "
المبحث الخامس: حكم زيارة النساء لقبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه
الأصل في حكم زيارة القبور للرجال والنساء عموم النهي لعلتين اثنتين الأولى: لتعلق قلوب المسلمين بالقبور المسببة للوثنية في بادئ أمر الاسلام، والعلة الثانية: تخُّص النساء وهي اتصافهن بالضعف والخور وعدم الصبر. ثم أَذنَ النبي - صلى الله عليه وسلم - للرجال بزيارة القبور لزوال العلة الأولى برسوخ الإيمان وانقطاع التعلق بالقبور ولما فيه من الإحسان للميت بالدعاء له وتذكر الآخرة بقوله:"كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة"، ولم يؤذن للنساء لدوام علة الضعف والخور وقلة الصبر، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للنسوة اللاتي زرن القبور:"ارجعن مأزورات غير مأجورات، فإنكن تفتن الحي وتؤذين الميت"أما فتنة الحي بالتبرج والسفور، وإيذاء الميت بالبكاء والصراخ.
ولعل البعض يقول إن بعض النساء قد تكون أقوى قلبا من الرجال، أجاب على هذا الاعتراض الشيخ محمد بن ابراهيم فقال:"الحكم إذا علق بمظنة استوى وجودها وعدمها" [2]
ثم قال رحمه الله في حكم خروج المرأة قاصدة زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم:"فقد جاء نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عنه من رواية عبدالله بن عباس وأبي هريرة وحسان بن ثابت رضي الله عنهم. أما حديث ابن عباس فقد روى أحمد وأصحاب السنن والبزار وابن حبان والحاكم في رواية أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعن زائرات القبور) والتعبير في هذه الرواية بزائرات القبور يدل على عدم تخصيص النهي بالإكثار من الزيارة كما توهمه بعضهم من التعبير في الروايات الأخرى بلفظ (زوَّارات القبور) ."
وأما حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - فروى أحمد والترمذي وقال حسن صحيح وابن ماجه وابن حبان في صحيحه من حديث عمر بن أبي سلمة بن عبدالرحمن عن أبيه عن أبي هريرة: (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعن زوَّارات القبور) .
وأما حديث حسان بن ثابت - رضي الله عنه - فروى أحمد وابن ماجه والحاكم عن حسان بن ثابت - رضي الله عنه - أنه قال: (لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زوَّارات القبور) .
فهذه الروايات تدل على تحريم زيارة القبور على النساء، فإن لعنة الشارع على الفعل من أدل الدلائل على تحريمه.
أما دعوى نسخ هذه الأحاديث بما فيها الحديث الصحيح: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) بناء على أن الإناث يدخلن في خطاب الذكور. فيرده أن محل دخولهن فيه لم يوجد دليل صريح قاض بعدم الدخول كوجود أحاديث لعنة زائرات القبور هنا، فإن ذلك من أظهر القرائن على عدم تناول خطاب الإذن لهن، كما بينه العلامة ابن القيم في"تهذيب سنن أبي داود"قال: فإن قيل: إن تعليل الإذن في زيارة القبور في بعض روايات حديث الإذن بتذكر الآخرة يؤيد القول بالنسخ، فإن تذكر الآخرة مصلحة يشترك فيها الرجال والنساء.
(1) فتاوى ورسائل ابن ابراهيم رحمه الله 6/ 126
(2) فتاوى ورسائل ابن ابراهيم رحمه الله 4/ 238