والمسلمين الذين أحدثوا من الشرك والعبادات ما لم يأذن به الله تعالى. قال الله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الشورى: 21] ." [1] "
وقال رحمه الله:"والتوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - الذي ذكره عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قد جاء مفسرًا في سائر أحاديث الاستسقاء، وهو من جنس الاستشفاع به، وهو أن يطلب منه الدعاء والشفاعة، ويطلب من الله أن يقبل دعاءه وشفاعته، ونحن نقدمه بين أيدينا شافعًا وسائلًا لنا، بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلّم."
وكذلك معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه - ـ لما أجدب الناس بالشام ـ استسقى بيزيد بن الأسود الجرشي فقال: اللهم إنا نستشفع ـ ونتوسل ـ بخيارنا. يا يزيد! ارفع يديك. فرفع يديه ودعا، ودعا الناس حتى سقوا. ولهذا قال العلماء: يستحب أن يستسقى بأهل الدين والصلاح، وإذا كانوا من أهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو أحسن.
وهذا الاستشفاع والتوسل حقيقته التوسل بدعائه؛ فإنه كان يدعو للمتوسل به المستشفع به والناس يدعون معه، كما أن المسلمين لما أجدبوا على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليه أعرابي فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغثنا. فرفع النبي - صلى الله عليه وسلم - يديه وقال: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا» وما في السماء قزعة؛ فنشأت سحابة من جهة البحر فمطروا أسبوعًا لا يرون فيه الشمس؛ حتى دخل عليهم الأعرابي ـ أو غيره ـ فقال: يا رسول الله انقطعت السبل، وتهدم البنيان، فادع الله يكشفها عنا. فرفع يديه وقال: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب ومنابت الشجر وبطون الأودية» فانجابت عن المدينة كما ينجاب الثوب. والحديث مشهور في الصحيحين وغيرهما.
وفي حديث آخر في سنن أبي داود وغيره: أن رجلًا قال له: إنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك. فسبَّح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى رؤي ذلك في وجوه أصحابه وقال: «ويحك أتدري ما الله؟ إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك» .
وهذا يبين أن معنى الاستشفاع بالشخص ـ في كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم - ـ هو استشفاع بدعائه وشفاعته، ليس هو السؤال بذاته؛ فإنه لو كان هذا السؤال بذاته لكان سؤال الخلق بالله تعالى أولى من سؤال الله بالخلق، ولكن لما كان معناه هو الأول، أنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله: «نستشفع بالله عليك» ولم ينكر قوله: «نستشفع بك على الله» ؛ لأن الشفيع يسأل المشفوع إليه أن يقضي حاجة الطالب؛ والله تعالى لا يسأل أحدًا من عباده أن يقضي حوائج خلقه،" [2] "
الجواب: أثبتنا من قبل أن العبادة لابد أن تكون توقيفية أي بدليل صحيح حتى تكون مقبولة عند الله تعالى ولا يوجد دليل على جواز سؤال الله بجاه النبي - صلى الله عليه وسلم -.
يقول شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله:"والحديث الذي يرويه بعض الناس: «إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي» هو من المكذوبات التي لم يروها أحد من علماء المسلمين، ولا هو في شيء من كتب الحديث .." [3]
وسئل رحمه الله عن سؤال الله بحق الأنبياء فقال شيخ الاسلام رحمه الله:"وأما قول القائل: اسألك أو أقسم عليك بحق ملائكتك، أو بحق أنبيائك أو بنبيك فلان أو برسولك فلان، أو بالبيت الحرام، أو بزمزم والمقام، أو بالطور والبيت المعمور، ونحو ذلك. فهذا النوع من الدعاء لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا أصحابه، ولا التابعين لهم بإحسان، بل قد نص غير واحد من"
(1) مجموع فتاوى ابن تيمية رحمه الله 1/ 158
(2) مجموع فتاوى ابن تيمية رحمه الله 27/ 172 - 179
(3) مجموع فتاوى ابن تيمية رحمه الله 24/ 334