فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 24

لم يمت النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى حقق التوحيد ونبذ الشرك وأهله وكسر الأصنام وحطم القباب التي كانت تعبد من دون الله تعالى، فجعل عليه السلام من صميم الدين ازالة الشرك ومظاهره، وبالمقابل أمر بتعظيم بيوت الله تعالى فكانت عبودية الصلاة والدعاء والاستغاثة وغيرها من العبادات لا تصرف إلا لله وحده لا شريك له، في أحب البقاع إليه، بل نهى عن صرفها في مظان الشرك، فنهى عن الصلاة في المقابر وإلى القبور، ونهى عن الصلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، كل ذلك صيانة للتوحيد. لذلك لم يكن في العهد النبوي الشريف ولا في القرون المفضلة شيء يعظمه الناس غير المساجد، ولا يصرفون شيئا من أنواع العبادات فيما يسمى اليوم في كثير من البلدان الإسلامية"بالمشاهد"! وإنما ظهرت هذه المشاهد في عهد دولة بني بويه!"لما ظهر القرامطة وكان فيهم زنادقة كفار، مقصودهم تبديل دين الإسلام، وكان في بني بويه من الموافقة لهم على بعض ذلك، فبنوا المشاهد المكذوبة «كمشهد علي» ـ رضي الله عنه ـ وأمثاله. وصنف أهل الفرية الأحاديث في زيارة المشاهد والصلاة عندها، والدعاء عندها، وما يشبه ذلك. فصار هؤلاء الزنادقة وأهل البدع المتبعون لهم يعظمون المشاهد، ويهينون المساجد، وذلك ضد دين المسلمين ويستترون بالتشيع ... ومما يبين ذلك أن الله لم يذكر «المشاهد» ولا أمر بالصلاة فيها، وإنما أمر بالمساجد، فقال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِى خَرَابِهَآ ٌ} [البقرة: 114] ولم يقل: مشاهد الله؛ بل قد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عليًا أن لا يدع قبرًا مشرفًا إلا سواه، ولا تمثالًا إلا طمسه. ونهى عن اتخاذ القبور مساجد، ولعن من فعل ذلك، فهذا أمر بتخريب المشاهد لا بعمارتها، سواء أريد به العمارة الصورية أو المعنوية. وقال تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 29] ولم يقل عند كل مشهد. وقال تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ الله} [التوبة: 17] ولم يقل مشاهد الله؛ إذ عمار المشاهد هم مشركون، أو متشبهون بالمشركين. إلى قوله: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوةَ وَءاتَى الزَّكَوةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ} [التوبة: 18] ولم يقل إنما يعمر مشاهد الله."

بل عمَّار المشاهد يخشون غير الله؛ فيخشون الموتى ولا يخشون الله؛ إذ عبدوه عبادة لم ينزل بها سلطانًا، ولا جاء بها كتاب ولا سنة، كما قال الخليل عليه الصلاة والسلام في مناظرته للمشركين لما حاجوه، وخوفوه آلهتهم: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَنًا فَأَىُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالامْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنعام: 81] وقال تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18] ولم يقل وأن المشاهد لله، بل أهل المشاهد يدعون مع الله غيره.

ولهذا لما لم يكن بناء المساجد على القبور التي تسمى «المشاهد» وتعظيمها من دين المسلمين؛ بل من دين المشركين؛ لم يحفظ ذلك، فإن الله ضمن لنا أن يحفظ الذكر الذي أنزله كما قال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ} [الحجر: 9] فما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة محفوظ، وأما أمر المشاهد فغير محفوظ، بل عامة القبور التي بنيت عليها المساجد، إما مشكوك فيها، وإما متيقن كذبها." [1] وإليك نبذة مختصرة عن تاريخ أعظم مشهدين تصرف عندهما الكثير من العبادات التي لا يجوز صرفها إلى لله تعالى، ليتبين لك كذب أعداء الدين في نسبة كثير من القبور للصالحين وهي ليست لهم! ليوقعوا الناس في الشرك."

(1) بتصرف من مجموع فتاوى ابن تيمية رحمه الله 27/ 167

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت