الجواب: قال شيخ الاسلام رحمه الله:"وقد ذكر أصحاب الشافعي وأحمد في السفر لزيارة القبور قولين: التحريم، والإباحة. وقدماؤهم وأئمتهم قالوا: إنه محرم. وكذلك أصحاب مالك وغيرهم. وإنما وقع النزاع بين المتأخرين؛ لأن قوله - صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» . صيغة خبر ومعناه النهي فيكون حرامًا. وقال بعضهم: ليس بنهي وإنما معناه أنه لا يشرع وليس بواجب ولا مستحب بل مباح كالسفر في التجارة وغيرها."
فيقال له: تلك الأسفار لا يقصد بها العبادة، بل يقصد بها مصلحة دنيوية مباحة، والسفر إلى القبور إنما يقصد به العبادة. والعبادة إنما تكون بواجب أو مستحب، فإذا حصل الاتفاق على أن السفر إلى القبور ليس بواجب ولا مستحب كان من فعله على وجه التعبد مبتدعًا مخالفًا للإجماع، والتعبد بالبدعة ليس بمباح، لكن من لم يعلم أن ذلك بدعة فإنه قد يعذر، فإذا بينت له السنة لم يجز له مخالفة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا التعبد بما نهى عنه، كما لا تجوز الصلاة عند طلوع الشمس ولا عند غروبها، وكما لا يجوز صوم يوم العيدين، وإن كانت الصلاة والصيام من أفضل العبادات، ولو فعل ذلك إنسان قبل العلم بالسنة لم يكن عليه إثم. فالطوائف متفقة على أنه ليس مستحبًا، وما علمت أحدًا من أئمة المسلمين قال إن السفر إليها مستحب، وإن كان قاله بعض الأتباع فهو ممكن، وأما الأئمة المجتهدين فما منهم من قال هذا. وإذا قيل هذا كان قولًا ثالثًا في المسألة، وحينئذ فيبين لصاحبه أن هذا القول خطأ مخالف للسنة ولإجماع الصحابة، فإن الصحابة ـ رضوان الله عليهم أجمعين في خلافة أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي ومن بعدهم إلى انقراض عصرهم ـ لم يسافر أحد منهم إلى قبر نبي ولا رجل صالح." [1] "
وقال رحمه الله أيضا:".... فالمسافر إلى الثغور أو طلب العلم أو التجارة أو زيارة قريبه ليس مقصوده مكانًا معينًا إلا بالعرض إذا عرف أن مقصوده فيه، ولو كان مقصوده في غير لذهب إليه. فالسفر إلى مثل هذا لم يدخل في الحديث- حديث لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد - باتفاق العلماء، وإنما دخل فيه من يسافر لمكان معين لفضيلة ذلك بعينه، كالذي يسافر إلى المساجد، وآثار الأنبياء: كالطور الذي كلم الله عليه موسى، وغار حراء الذي نزل فيه الوحي ابتداء على الرسول، وغار ثور المذكور في القرآن في قوله: {إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ} [التوبة: 40] وما هو دون ذلك من المغارات والجبال: كالسفر إلى جبل لبنان، ومغارة الدم، ونحو ذلك. فإن كثيرًا من الناس يسافر إلى ما يعتقد فضله من الجبال والغيران. فإذا كان الطور الذي كلم الله عليه موسى وسماه البقعة المباركة والوادي المقدس لا يستحب السفر إليه فغير ذلك من الجبال أولى أن لا يسافر إليه."
وقولي بالإجماع. أعني به إجماع السلف والأئمة، فإن الصحابة كابن عمر وأبي سعيد وأبي بصرة وغيرهم - رضي الله عنه - فهموا من قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» ، أن الطور الذي كلم الله عليه موسى، وسماه (الوادي المقدس) و (البقعة المباركة) داخل في النهي، ونهوا الناس عن السفر إليه، ولم يخصوا النهي بالمساجد. ولهذا لم يوجب أحد ذلك بالنذر، .. وإذا كان غار حراء الذي كان أهل مكة يصعدون إليه للتعبد فيه، ويقال: إن عبد المطلب سنَّ لهم ذلك، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل النبوة يتحنَّث فيه، وفيه نزل عليه الوحي أولًا؛ لكن من حين نزل الوحي عليه ما صعد إليه بعد ذلك، ولا قربه؛ لا هو ولا أصحابه، وقد أقام بمكة بعد النبوة بضع عشرة سنة لم يزره ولم يصعد إليه، وكذلك المؤمنون معه بمكة. وبعد الهجرة أتى مكة مرارًا في عمرة الحديبية، وعام الفتح، وأقام بها قريبًا من عشرين يومًا، وفي عمرة الجعرانة، ولم يأت غار حراء، ولا زاره. فإذا كان هذا الغار لا يسافر إليه ولا يزار فغيره من المغارات كمغارة الدم ونحوها أولى أن لا تزار. فإن العبادات بعد مبعث الرسول - صلى الله عليه وسلم - كالصلاة والذكر والدعاء مشروعة في كل مكان جعلت الأرض كلها له ولأمته مسجدًا وطهورًا»." [2] "
(1) مجموع فتاوى ابن تيمية رحمه الله 27/ 83 - 90
(2) مجموع فتاوى ابن تيمية رحمه الله 27/ 249