شك فيه: أنه لا يجوز البناء على القبور ولا تجصيصها، كما رواه مسلم في صحيحه وغيره عن أبي الهياج الأسدي: أن عليا - رضي الله عنه - قال له:"ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته."
ولما ثبت في صحيح مسلم وغيره أيضا عن جابر - رضي الله عنه - قال:"نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه"فهذا النهي ثابت عنه - صلى الله عليه وسلم -. وقد قال:"وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه"وقال جل وعلا: {وما نهاكم عنه فانتهوا} " [1] "
أجاب عن مثل هذه الشبهة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عندما سئل مثل هذا السؤال فقال: الحمد لله رب العالمين ... لم يفعل ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أحد من أصحابه، ولا من أئمة الدين الذين يقتدي بهم المسلمون في دينهم، ولا أمر بذلك ولا استحبه لا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أحد من أصحابه، ولا أئمة الدين؛ بل لا يعرف هذا عن أحد من أهل العلم والدين من القرون المفضلة التي أثنى عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم: من الصحابة والتابعين وتابعيهم، لا من أهل الحجاز، ولا من اليمن، ولا الشام، ولا العراق، ولا مصر، ولا المغرب، ولا خراسان؛ وإنما أحدث بعد ذلك.
ومعلوم أن كل مالم يسنه ولا استحبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أحد من هؤلاء، الذين يقتدي بهم المسلمون في دينهم، فإنه يكون من البدع المنكرات ... فمن اتخذ عملًا من الأعمال عبادة ودينًا وليس ذلك في الشريعة واجبًا ولا مستحبًا فهو ضال باتفاق المسلمين.
وقصدُ القبور لأجل الدعاء عندها رجاء الإجابة: هو من هذا الباب، فإنه ليس من الشريعة لا واجبًا، ولا مستحبًا، فلا يكون دينًا ولا حسنا، ولا طاعة لله، ولا مما يحبه الله ويرضاه، ولا يكون عملًا صالحًا، ولا قربة، ومن جعله من هذا الباب فهو ضال باتفاق المسلمين.
ولهذا: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا نزلت بهم الشدائد، وأرادوا دعاء الله لكشف الضر، أو طلب الرحمة لا يقصدون شيئًا من القبور، لا قبور الأنبياء ولا غير الأنبياء، حتى إنهم لم يكونوا يقصدون الدعاء عند قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ بل قد ثبت في «صحيح البخاري» عن أنس أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، قال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون ... وكذلك معاوية بالشام استسقوا بيزيد بن الأسود الجرشي. وكانوا في حياة النبي صلى الله عليه وسلّم، يأتون إليه ويطلبون منه الدعاء، يتوسلون به، ويستشفعون به إلى الله؛ كما أن الخلائق يوم القيامة يأتون إليه يطلبون منه أن يشفع لهم إلى الله، ثم لما مات وأصابهم الجدب عام الرمادة في خلافة عمر وكانت شدة عظيمة أخذوا العباس فتوسلوا به، واستسقوا به بدلًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يأتوا إلى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعون عنده، ولا استسقوا به ولا توسلوا به. وكذلك في الشام لم يذهبوا إلى ما فيها من القبور؛ بل استسقوا بمن فيهم من الصالحين، ومعلوم أنه لو كان الدعاء عند القبور والتوسل بالأموات مما يستحب لهم لكان التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أفضل من التوسل بالعباس وغيره." [2] "
وقال شيخ الاسلام رحمه الله ردا على قول القائل أن الحوائج تقضى في بعض الأوقات بالدعاء عند بعض القبور:"وأما قول القائل: إن الحوائج تقضى لهم بعض الأوقات، فهل يسوغ ذلك لهم قصدها؟ فيقال: ليس ذلك مسوغ قصدها لوجوه:"
أحدها: أن المشركين وأهل الكتاب يقضى كثير من حوائجهم بالدعاء عند الأصنام، وعند تماثيل القديسين، والأماكن التي يعظمونها؛ وتعظيمها حرام في زمن الإسلام. فهل يقول مسلم: إن مثل ذلك سوغ لهم هذا الفعل المحرم بإجماع المسلمين؟! وما
(1) أضواء البيان 3/ 159
(2) مجموع فتاوى ابن تيمية رحمه الله 27/ 151