فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 24

تجد عند أهل الأهواء والبدع من الأسباب ـ التي بها ابتدعوا ما ابتدعوه ـ إلا تجد عند المشركين وأهل الكتاب من جنس تلك الأسباب ما أوقعهم في كفرهم وأشد، ومن تدبر هذا وجده في عامة الأمور، فإن البدع مشتقة من الكفر، وكمال الإيمان هو فعل ما أمر الله به ورسوله، وترك ما نهى عنه ورسوله، فإذا ترك بعض المأمور، وعوض عنه ببعض المحظور كان في ذلك من نقص الإيمان بقدر ذلك.

والبدعة لا تكون حقًا محضًا؛ إذ لو كانت كذلك لكانت مشروعة، ولا تكون مصلحتها راجحة على مفسدتها؛ إذ لو كانت كذلك لكانت مشروعة، ولا تكون باطلًا محضًا لا حق فيه؛ إذ لو كانت كذلك لما اشتبهت على أحد، وإنما يكون فيها بعض الحق وبعض الباطل. وكذلك دين المشركين وأهل الكتاب، فإنه لا يكون كل ما يخبرون به كذبًا، وكل ما يأمرون به فسادًا؛ بل لا بد أن يكون في خبرهم صدق، وفي أمرهم نوع من المصلحة، ومع هذا فهم كفار بما تركوه من الحق، وأتوه من الباطل.

الوجه الثاني: أن هذا الباب يكثر فيه الكذب جدًا؛ فإنه لما كان الكذب مقرونًا بالشرك، كما دل عليه القرآن في غير موضع، والصدق مقرونًا بالإخلاص، فالمؤمنون أهل صدق وإخلاص، والكفار أهل كذب وشرك، وكان في هذه المشاهد من الشرك ما فيها اقترن بها الكذب من وجوه متعددة.

منها: دعوى أن هذا قبر فلان المعظم أو رأسه؛ ففي ذلك كذب كثير.

والثاني: الإخبار عن أحواله بأمور يكثر فيها الكذب.

والثالث: الإخبار بما يقضي عنده من الحاجات، فما أكثر ما يحتال المعظمون للقبر بحيل يلبسون على الناس أنه حصل به خرق عادة، أو قضاء حاجة، وما أكثر من يخبر بما لا حقيقه له، وقد رأينا من ذلك أمورًا كثيرة جدًا.

الرابع: الإخبار بنسب المتصلين به، مثل كثير من الناس، يدعي الانتساب إلى قبر ذلك الميت إما ببنوة، وإما بغير بنوة، حتى رأيت من يدعي أنه من ولد إبراهيم بن أدهم مع كذبه في ذلك؛ ليكون سادن قبره، وأما الكذب على العترة النبوية فأكثر من أن يوصف.

الخامس: أن الرافضة، أكذب طوائف الأمة على الإطلاق، وهم أعظم الطوائف المدعية للإسلام غلوًا، وشركًا، ومنهم كان أول من ادَّعى الإلهية في القراء [1] ، وادعى نبوة غير النبي - صلى الله عليه وسلم -، كمن ادعى نبوة علي، وكالمختار بن أبي عبيد الله ادعى النبوة، ثم يليهم الجهال كغلاة ضلال العباد واتباع المشائخ؛ فإنهم أكثر الناس تعظيمًا للقبور بعد الرافضة، وأكثر الناس غلوًا بعدهم، وأكثر الطوائف كذبًا، وكل من الطائفتين فيها شبه من النصارى. وكذب النصارى وشركهم وغلوهم معلوم عند الخاص والعام، وعند هذه الطوائف من الشرك والكذب ما لا يحصيه إلا الله.

الوجه الثالث: أنه إذا قضيت حاجة مسلم وكان قد دعا دعوة عند قبره، فمن أين له أن لذلك القبر تأثيرًا في تلك الحاجة؟ وهذا بمنزلة ما ينذرونه عند القبور، أو غيرها من النذور: إذا قضيت حاجاتهم. وقد ثبت في الصحيحين: عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه نهى عن النذر، وقال: إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل» . وفي لفظ: «إن النذر لا يأتي ابن آدم بشيء لم يكن قدر له؛ ولكن يلقيه النذر إلى القدر قدرته» ، فإذا ثبت بهذا الحديث الصحيح: أن النذر ليس سببًا في دفع ما علق به من جلب منفعة، أو دفع مضرة، مع أن النذر جزاء تلك الحاجة، ويعلق بها، ومع كثرة من تقضى حوائجهم التي علقوا بها النذور؛ كانت القبور أبعد عن أن تكون سببًا في ذلك. ثم تلك الحاجة: إما أن تكون قد قضيت بغير دعائه، وإما أن تكون قضيت بدعائه. فإن كان: الأول فلا كلام، وإن كان الثاني: فيكون قد اجتهد في الدعاء اجتهادًا لو اجتهده في غير تلك البقعة أو عند الصليب لقضيت حاجته؛ فالسبب هو اجتهاده في الدعاء؛ لا خصوص القبر.

الوجه الرابع: أنه إذا قدّر أن للقبور نوع تأثير في ذلك سواء كان بها كما يذكره المتفلسفة ومن سلك سبيلهم في ذلك بأن الروح المفارقة: تتصل بروح الداعي، فيقوى بذلك، كما يزعمه ابن سينا، وأبو حامد، وأمثالهما، في زيارة القبور، أو كان بسبب آخر. فيقال: ليس كل سبب نال به الإنسان حاجته يكون مشروعًا، بل ولا مباحًا، وإنما يكون مشروعًا إذا غلبت مصلحته على مفسدته. أما إذا غلبت مفسدته، فإنه لا يكون مشروعًا؛ بل محظورًا، وإن حصل به بعض الفائدة.

(1) هكذا في الأصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت