ومن هذا الباب تحريم السحر مع ما له من التأثير وقضاء بعض الحاجات، وما يدخل في ذلك من عبادة الكواكب ودعائها، واستحضار الجن. وكذلك الكهانة، والاستسقام بالأزلام؛ وأنواع الأمور المحرمة في الشريعة، مع تضمنها أحيانًا نوع كشف، أو نوع تأثير.
وفي هذا تنبيه على جملة الأسباب التي تقضى بها حوائجهم. وأما تفصيل ذلك فيحتاج إلى بسط طويل كما يحتاج تفصيل أنواع السحر، وسبب تأثيره، وما فيه من السيميا، وتفصيل أنواع الشرك وما دعا المشركين إلى عبادة الأصنام؛ فإن العاقل يعلم أن أمة من الأمم لم تجمع على أمر بلا سبب، والخليل - صلى الله عليه وسلم - يقول: {وَاجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الاصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ} [إبراهيم: 35 ـ 36] ومن ظن في عبَّاد الأصنام أنهم كانوا يعتقدون أنها تخلق العالَم، أو أنها تنزل المطر أو تنبت النبات، أو تخلق الحيوان، أو غير ذلك؛ فهو جاهل بهم؛ بل كان قصد عباد الأوثان لأوثانهم من جنس قصد المشركين بالقبور للقبور المعظمة عندهم، وقصد النصارى لقبور القديسين يتخذونهم شفعاء ووسائط ووسائل. بل قد ثبت عندنا بالنقل الصحيح أن من مساجدي [1] القبور من يفعل بها أكثر مما يفعله كثير من عباد الأصنام، ويكفي المسلم أن يعلم أن الله لم يحرم شيئًا إلا ومفسدته محضة أو غالبة. وأما ما كانت مصلحته محضة أو راجحة فإن الله شرعه، إذ الرسل بعثت بتحصيل المصالح، وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها.
والشرك كما قرن بالكذب قرن بالسحر في مثل قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا} [النساء: 51 ـ 52] والجبت: السحر. والطاغوت: الشيطان والوثن. وهذه حال كثير من المنتسبين إلى الملَّة، يعظمَّون السحر والشرك، ويرجِّحون الكفار على كثير من المؤمنين، المتمسكين بالشريعة. والورقة لا تحتمل أكثر من هذا. والله أعلم." [2] "
الشبهة الثالثة: قرأ الشيخ محمد متولي الشعراوي هذه الآية من سورة النساء: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} ، ثم قال ما ملخصه: إن مسألة التوابية والرحمانية تأتي على الموجب بشروط [3] ، وهي أن يستغفروا الله من الذنب، وأن يستغفر لهم رسول الله! وبدون هذين الشرطين لا يتأتى باب الهبة من الله تعالى، ثم قال الشيخ: وما ذنب من وجد بذنب ورسول الله قد انتقل إلى الرفيق الأعلى؟! وطالب المذنب اليوم أن يذهب إلى القبر الشريف ثم يستحضر رسول الله، مستدلا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يرد السلام على من سلم عليه، وقال معنى أنه يرد السلام عليك أنه فيه حياة، ثم قال ما دام كذه تقول: يارسول الله أذنبت ذنبا فاستغفر الله عندك، فاستغفر لي يا رسول الله. واستشهد أيضا بحديث تعرض علي أعمالكم فان وجدت خيرا حمدت الله وان و ... استغفرت لكم.
الجواب: فهم الصحابة من هذه الآية أن الواحد منهم إذا أذنب ذنبا في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يأتيه ويطلب منه أن يستغفر له الله من الذنب الذي اقترفه كما جاء ماعز والغامدية وغيرهم، وأما بعد موته - صلى الله عليه وسلم - فلم يفعل ذلك أحد من الصحابة وهم أحرص الناس على اقتفاء أثره عليه السلام، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"ومنهم من يتأول قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُو ا أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} [النساء: 64] ويقولون: إذا طلبنا منه الاستغفار بعد موته كنا بمنزلة الذين طلبوا الاستغفار من الصحابة، ويخالفون بذلك إجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر المسلمين، فإن أحدًا منهم لم يطلب من النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد موته أن يشفع له ولا سأله شيئًا ولا ذكر ذلك أحد من أئمة المسلمين في كتبهم، وإنما ذكر ذلك من ذكره من متأخري الفقهاء وحكوا حكاية مكذوبة على مالك رضي الله عنه .. فهذه الأنواع من خطاب الملائكة والأنبياء والصالحين بعد موتهم عند قبورهم وفي مغيبهم، وخطاب تماثيلهم، هو من أعظم أنواع الشرك الموجود في المشركين من غير أهل الكتاب، وفي مبتدعة أهل الكتاب"
(1) هكذا في الأصل.
(2) مجموع فتاوى ابن تيمية رحمه الله 27/ 171 - 178
(3) انظر الرابط: http://www.youtube.com/watch?v=FpIq 77 WkIs 0