على أن القبور ليست محل صلاة .. وأخرج الإمام أحمد بسند جيد عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد» ورواه ابن أبي حاتم أيضًا.
والأحاديث في هذا الباب كثيرة صحيحة لا مطعن فيها، وهي تدل دلالة واضحة على تحريم الصلاة في المقبرة ... ، لأن علة النهي ليست بنجاسة المقابر كما يقوله الشافعية، بدليل اللعن الوارد من النَّبي - صلى الله عليه وسلم - على من اتخذ قبور الأنبياء مساجد. ومعلوم أن قبور الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ليست نجسة، فالعلة للنهي سد الذريعة لأنهم إذا عبدوا الله عند القبور آل بهم الأمر إلى عبادة القبور.
وأما الصلاة إلى القبور فإنها لا تجوز أيضًا، بدليل ما أخرجه مسلم في صحيحه والإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «لا تصلُّوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها» هذا لفظ مسلم. وفي لفظ له أيضًا: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلُّوا إليها» والقاعدة المقررة في الأصول: أن النهي يقتضي التحريم. فأظهر الأقوال دليلًا منع الصلاة في المقبرة وإلى القبر، لأن صيغة النهي المتجردة من القرائن تقتضي التحريم ... وقد نهى - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث الصحيح عن الصلاة إلى القبور وقد قال: «وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» وقال تعالى: {وَمَا نَهَااكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} وقد قدمنا أن لعنه صلى الله عليه وسلّم من اتخذ القبور مساجد يدل دلالة واضحة على التحريم." [1] "
ثالثا: وأما استشهاده بقول الله تعالى في سورة الكهف: {وقال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا} ثم قال: ولم ينكرها الله، ردَّ على هذه الشبهة أيضا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله فقال:"اعلم أن ما يزعمه بعض من لا علم عنده: من أن الكتاب والسنة دلا على اتخاذ القبور مساجد، يعني بالكتاب قوله تعالى: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا} ويعني بالسنة ما ثبت في الصحيح من أن موضع مسجد النَّبي - صلى الله عليه وسلم - كان فيه قبور المشركين ـ في غاية السقوط، وقائله من أجهل خلق الله."
أما الجواب عن الاستدلال بالآية فهو أن تقول: من هؤلاء القوم الذين قالوا لنتخذن عليهم مسجدًا؟ أهم ممن يقتدى به! [2] أم هم كفرة لا يجوز الاقتداء بهم؟ وقد قال أبو جعفر بن جرير الطبري رحمه الله تعالى في هؤلاء القوم ما نصه: «وقد اختلف في قائل هذه المقالة، أهم الرهط المسلمون أم هم الكفار؟ فإذا علمت ذلك فاعلم أنهم على القول بأنهم كفار فلا إشكال في أن فعلهم ليس بحجة إذ لم يقل أحد بالاحتجاج بأفعال الكفار كما هو ضروري.، وعلى القول بأنهم مسلمون كما يدل له ذكر المسجد لأن اتخاذ المساجد من صفات المسلمين، فلا يخفى على أدنى عاقل أن قول قوم من المسلمين في القرون الماضية إنهم سيفعلون كذا لا يعارض به النصوص الصحيحة الصريحة عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - إلا من طمس الله بصيرته فقابل قولهم {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا} ـ بقوله - صلى الله عليه وسلم - في مرض موته قبل انتقاله إلى الرفيق الأعلى بخمس «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» الحديث يظهر لك أن من اتبع هؤلاء القوم في اتخاذهم المسجد على القبور ملعون على لسان الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - كما هو واضح، ومن كان ملعونًا على لسانه - صلى الله عليه وسلم - فهو ملعون في كتاب الله كما صح عن ابن مسعود - رضي الله عنه -. لأن الله يقول: {وَمَآ آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} . ولهذا صرَّح ابن مسعود - رضي الله عنه: بأن الواصلة والواشمة ومن ذكر معهما في الحديث كل واحدة منهن ملعونة في كتاب الله. وقال للمرأة التي قالت له: قرأت ما بين الدفتين فلم أجد. إن كنت قرأته فقد وجدته، ثم تلا الآية الكريمة، وحديثه مشهور في الصحيحين وغيرهما، وبه تعلم أن من اتخذ المساجد على القبور ملعون في كتاب الله جل وعلا على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -. وأنه لا دليل في آية: {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا} . وأما الاستدلال بأن مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة مبني في محل مقابر المشركين فسقوطه ظاهر، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بها فنبشت وأزيل ما فيها ... فقبور المشركين لا حرمة لها، ولذلك أمر - صلى الله عليه وسلم - بنبشها وإزالة ما فيها. فصار الموضع كأن لم يكن فيه قبر أصلا لإزالته بالكلية .. والتحقيق الذي لا
(1) أضواء البيان 3/ 152
(2) هكذا اللفظ ولعلها"بهم"