فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 24

نقول: إن مصلحة"تذكرهن الآخرة"عارضها ما يقارن زيارتهن من فتنة الأحياء وإيذاء الأموات والتبرج وغير ذلك من المفاسد التي لا سبيل إلى دفعها إلا بمنعهن، ومبنى الشريعة على تحريم الفعل إذا كانت مفسدته أرجح من مصلحته، ورجحان هذه المفسدة لا خفاء فيه، فمنعهن زيارة القبور من محاسن الشريعة.

ولهذا مال كثير من أهل العلم إلى استمرار النهي عن زيارة القبور في حق النساء، فقال الحافظ المنذري في"الترغيب والترهيب": قد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - نهاهن عن زيارة القبور نهيا عاما للرجال والنساء، ثم أذن للرجال في زيارتها، واستمر النهي في حق النساء. وقال جامع اختيارات شيخ الاسلام ابن تيمية أبو الحسن البعلي: ظاهر كلام أبي العباس - يعني شيخ الاسلام - ترجيح التحريم، لاحتجاجه بلعن النبي - صلى الله عليه وسلم - زائرات القبور وتصحيحه إياه، ولا يصح دعوى النسخ، بل هو - أي النهي - باق على حكمه، والمرأة لا تشرع لها زيارة القبور لا الزيارة الشرعية ولا غيرها. وقال العلامة السندي في حاشيته على"سنن النسائي"في استمرار النهي عن زيارة القبور في حق النساء: هو الأقرب إلى تخصيصهن بالذكر - أي في أحاديث لعنة زائرات القبور. وقال صديق حسن خان في"حسن الأسوة": الراجح نهي النساء عن زيارة القبور، وإليه ذهب عصابة أهل الحديث كثر الله سوادهم"أ هـ"

وما ذكر هؤلاء من استمرار النهي في حق النساء هو ظاهر رواية الإمام أبي داود عن الإمام أحمد بن حنبل، وبه جزم صاحب المهذب وصاحب البيان من الشافعية. قال أبو داود في"مسائل الإمام أحمد": سألت أحمد عن زيارة النساء القبر. قال: لا. قلت: فالرجال أيزورون؟. قال: نعم، ثم ذكر حديث ابن عباس رحمهما الله تعالى (لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زوَّارات القبور) . وقال النووي في شرح المهذب"المجموع": أما النساء فقال المصنف وصاحب البيان من الشافعية: لا تجوز لهن الزيارة، وهو ظاهر هذا الحديث، يريد حديث"لعنة زائرات القبور".

وأما سلام المرأة على قبر اجتازت - أي مرت - به في طريقها إلى مقصودها. فلابأس به .. وعلى هذا حمل الإمام ابن القيم في"تهذيب سنن أبي داود"ما رواه الترمذي في سننه عن عبدالله بن أبي مليكة قال: توفي عبدالرحمن بن أبي بكر بالحبشئِّ-مكان قريب من مكة-، قال فحمل إلى مكة فدفن فلما قدمت عائشة أتت قبر عبدالرحمن بن أبي بكر ... فقالت: والله لو حضرتك ما دفنت إلا حيث مت، ولو شهدتك مازرتك.

قال ابن القيم بعدما قرر أن هذه الرواية هي المحفوظة قال: وعائشة إنما قَدِمت مكة للحج فمرَّت على قبر أخيها في طريقها فوقفت عليه، وهذا لابأس به، وإنما الكلام في قصدهن الخروج. قال: ولو قدر أنها عدلت إليه وقصدت زيارته فهي قد قالت: لو شهدتك لما زرتك. وهذا يدل على أن من المستقر المعلوم عندها أن النساء لا يشرع لهن زيارة القبور.

ثم تكلم ابن القيم على رواية البيهقي عن طريق يزيد بن زريع عن بسطام بن مسلم عن أبي التياح أن أثر عائشة المذكور بلفظ: أيا أم المؤمنين من أين أقبلت؟. قالت: من قبر أخي عبدالرحمن. فقلت لها: أليس قد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن زيارة القبور. قالت نعم. ثم أمر بزيارتها. قال ابن القيم في هذه الرواية: هي رواية بسطام بن مسلم، ولو صح فهي تأوَّلت ما تأوَّل غيرها من دخول النساء، والحجة في قول المعصوم لا في تأويل الراوي، وتأويله إنما يكون مقبولا حيث لا يعارضه ما هو أقوى منه، وهذا قد عارضه أحاديث المنع"أ هـ"

يقول الشيخ ابن ابراهيم:"هذا موقفنا من زيارة النساء للقبور. والخلاصة أنه لا يجوز قصد القبور للزيارة بحال، ولا يدخلن في عموم الإذن، بل الإذن خاص بالرجال، لما تقدم والله أعلم" [1]

(1) فتاوى ورسائل ابن ابراهيم رحمه الله 4/ 241 بتصرف يسير جدا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت