الصفحة 14 من 38

وعلى هذا التخريج الذي ذكرنا يُحمل قول ابن عباس وغيره عند قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فألئك هم الكافرون} حيث قال: (إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، إنه ليس كفرًا ينقل عن الملة) [1] ، وقال عطاء: (كفر دون كفر) [2] .

فمن حكمته شهوته وهواه على الحكم في القضية بغير ماأنزل الله، مع اعتقاده أن حكم الله ورسوله هو الحق واعترافه على نفسه بالخطأ ومجانبة الصدق، فهذا وإن لم يخرجه كفره عن الملة فإنها معصية عظمى أكبر من الكبائر [3] .

وهذا مخالف تمامًا لمن يستدل بهذه الآثار على جواز تحكيم القوانين في زماننا، فإن تحكيم تلك القوانين إنما هو جحود أو تكذيب لحكم الله، أو تفضيل لحكم غيره عليه.

يقول الدكتور عبدالعزيز آل عبداللطيف: (فينبغي أن يُفهم كلام أبي مجلز - وكذا كلام ابن عباس رضي الله عنهما - على ظاهره، وحسب مناسبته بلا غلو ولاجفاء، فلا نكون مع الطرف المقابل لهم ممن جعلوا رفض الشريعة وتنحيتها والإعراض عنها كفرًا أصغرًا، فلم يقصد ابن عباس - وكذا أبو مجلز - من أبى وامتنع عن الالتزام بشرع الله تعالى وتحاكم إلى قوانين الجاهلية، فلم يكن في تلك القرون السابقة من يفعل مثل ذلك، فكلام السلف الصالح - في معصية كفر دون كفر - يدور حول قضية مفردة، أو واقعة معينة في الحكم بغير ماأنزل الله تعالى عن هوى وشهوة، مع اعتقاد حرمة هذا الفعل وإثمه، وليس منهجًا عامًا، وهذا أمر ظاهر) [4] .

(1) أخرجه الحاكم في المستدرك:2/ 342، رقم: 3219.

(2) أخرجه ابن جرير في تفسيره:4/ 588.

(3) انظر: تحكيم القوانين: 6، 7.

(4) نواقض الإيمان القولية والعملية: 339 ــ 340.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت