يُجمع المسلمون على أنه يجوز لإمام المسلمين أن يقوم بسن القوانين والأنظمة التي تنفع المسلمين، والتي يحصل بها تنظيم شؤون حياة الناس وفق الأحوال المستجدة في كل عصر، وحسب ماتقتضيه المصلحة العامة للأمة، بشرط ألا تخالف شريعة الخالق - جل وعلا - بل قد يصل ذلك إلى حد الوجوب إذا كان يتوقف إيصال الحقوق إلى أهلها على التنظيم، لأنه يجب عليه إيصال الحقوق إلى أصحابها، وإقامة العدل بين الناس، وإذا توقف على ذلك التنظيم ووضع القواعد والمبادئ، كان ذلك واجبًا؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به يكون واجبًا، وهذا يعني أنه لايُشترط أن تكون تلك الأنظمة قد نطقت بها الشريعة، وإنما يشترط ألا تخالف أحكام الكتاب والسنة، فلا تخرج عن الأصول العامة للشريعة ومقاصدها الكلية، وتكون على الوجه الذي يحقق المصالح ويدرأ المفاسد، لأن القاعدة الشرعية تقول: إن تصرف الإمام على رعيته منوط بالمصلحة، وهذه هي السياسة الجائزة المباحة التي جاءت بها الشريعة، كما قرر أهل العلم.
فهناك فرق بين تحكيم النظام الشرعي وتحكيم النظام الإداري، فالأخير إن لم يكن مخالفًا لشيء من الشرع فلا إشكال فيه، وإنما حديثنا هنا عن إستبدال الحكم الشرعي بحكم وضعي من صنع البشر، فما حكم ذلك؟ وإن قيل إنه كفر، فهل هو كفر أكبر أم أصغر؟ هذا ماسنأتي عليه والله وحده هو المستعان.
المطلب الأول: متى يكون تحكيم القوانين كفرًا أكبرًا؟
لعل أول مايُبدأ به في هذا المبحث، هو االآيات الثلاث الواردة في سورة المائدة وما حصل حولها من خلاف في فهم المراد منها، والآيات هي: