تقدم معنا حُكْمُ تحكيم القوانين، وأنه يدور بين الكفر الأكبر والأصغر، وتقدم - أيضًا - أن بعضهم استشكل عليه الأمر، فظن أن مسألة الكفر لاتكون إلا بالاستحلال، ومن لم يستحل عمله فإنه لايكفر، ونظرًا لارتباط هذه المسألة بالبحث، رأيت أن أفردها في مبحث مستقل.
من المعلوم أن القول الصحيح في تعريف الإيمان أنه شامل للاعتقاد والقول والعمل، فترك أحد هذه الركائز الثلاث يوقع في ضد الإيمان وهو الكفر، فالكفر قد يكون بجحود القلب أو بترك النطق باللسان أو ترك الأعمال.
قال ابن حزم: (ومما يتبين أن الكفر يكون بالكلام، قول الله عزوجل: {ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ماأظن أن تبيد هذه أبدًا، وما أظن الساعة قائمة، ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرًا منها منقلبًا، قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلًا} إلى قوله: {ياليتني لم أشرك بربي أحدًا} [1] فأثبت اللهُ الشركَ والكفرَ مع إقراره بربه تعالى، إذ شك في البعث) [2] .
وقال ابن تيمية: (إنْ سبَّ الله أو سبَّ رسوله كَفَرَ ظاهرًا وباطنًا، سواءً كان الساب يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحلًا له، أو كان ذاهلًا عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء، وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل) [3] .
(1) الكهف: 35 - 42.
(2) الفصل: 3/ 109.
(3) الصارم المسلول: 513.