والتسعير في مثل هذه الحالة علاج لحاجة العامة، ولذا يقول ابن تيمية:"ما احتاج إلى بيعه وشرائه عموم الناس فإنه يجب ألا يباع إلا بثمن المثل، إذا كانت الحاجة إلى بيعه وشرائه عامة، وإن ما احتاج إليه الناس حاجة عامة فالحق فيه لله" (73) .
ويقصد ابن تيمية بحقوق الله ما نعنيه اليوم بالحقوق العامة، ولا شك أن ضمان الحقوق العامة تهون في سبيله المنافع الشخصية والأطماع الفردية.
وبتوضيح أكثر فإن كفالة حق المجتمع في الحصول على حاجياته الأساسية التي يشترك في الاحتياج إليها جميع أفراده أو أكثرهم كالخبز والغذاء بصفة عامة، تستوجب تسعير هذه الأشياء طالما ظلت حاجة الناس إليها عامة، وذلك مخافة استغلال الباعة هذه الحاجة (74) .
وجود الاحتكار من التجار والمنتجين:
لا خلاف بين الفقهاء أن الاحتكار وهو حبس الأقوات وبيعها وقت الغلاء، حرامٌ؛ واختلفوا في غير الأقوات، والظاهر من النصوص عموم تحريم الاحتكار لكل السلع التي يحتاجها الناس، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"لا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ" (75) ، ولأن قواعد الشريعة قد جاءت بالعدل والتيسير على الناس، ونفي الحرج والمشقة، ورفع الضرر عنهم، والاحتكار ظلم وغش للمسلمين.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"ومثل ذلك ـ أي من حيث كونه يمنع ـ الاحتكار لما يحتاج إليه الناس، لما روى مسلم في صحيحه:"لا يحتكر إلا خاطئ"، فإن المحتكر هو الذي يعمد إلى شراء ما يحتاج إليه الناس من الطعام فيحبسه عنهم، ويريد إغلاءه عليهم، وهو ظلم للخلق المشترين، ولهذا كان لولي الأمر أنه يكره الناس على بيع ما عندهم بقيم المثل" (76) . فالإكراه على البيع بقيمة المثل هو التسعير، وفي حالة الاحتكار مع حاجة الناس إلى المادة المحتكرة تشتد الحاجة إلى التسعير (77) .
1 -وجود التواطؤ من التجار ضد المستهلكين أو العكس:
فإذا تواطأ التجار أو أرباب السلع على سعر يحقق لهم ربحًا فاحشًا، أو تواطأ مشترون على أن يشتركوا فيما يشتريه أحدهم حتى يهضموا سلع الناس فإن التسعير يكون واجبًا حينئذٍ (78) .
وفي هذه الحالة يقول شيخ الإسلام:"وقد منع غير واحد من الفقهاء كأبي حنيفة وأصحابه القسام الذين يقتسمون العقار وغيره بالأجرة أن يشتركوا، فإنهم إذا اشتركوا والناس محتاجون إليهم أغلوا عليهم الأجر، فمنع البائعين الذين تواطؤوا على ألا يبيعوا إلا بثمن قدروه أولى، وكذلك منع المشترين إذا تواطؤوا على أن يشتركوا فيما يشتريه أحدهم حتى يهضموا سلع الناس أولى" (79) .
2 -حصر البيع لأناس معينين:
صرّح ابن تيمية بأنه لا تردُّدَ عند أحد من العلماء في وجوب فرض التسعير في حالة إلزام الناس أن لا يبيع الطعامَ أو غيرَه إلا أناسٌ معروفون، فهنا يجب التسعير عليهم بحيث لا يبيعون إلا بقيمة المثل، ولا يشترون إلا بقيمة المثل؛ لأنه إذا كان قد مُنِع غيرهم أن يبيع ذلك النوع أو يشتريه، فلو سوغ لهم أن يبيعوا بما اختاروا أو يشتروا بما اختاروا لكان ذلك ظلمًا لغيرهم من البائعين الذين يريدون بيع تلك الأموال، وظلما للمشترين منهم، فالتسعير في مثل هذه الحالة واجب بلا نزاع، وحقيقته: إلزامهم أن لا يبيعوا أو لا يشتروا إلا بثمن المثل (80) .