الصفحة 12 من 33

ولعل من أوضح الأمثلة على هذه الحالة ما يعرف اليوم بوكالات التوريد أو الوكلاء المعتمدين، كوكلاء السيارات مثلًا، إذا كانت السيارات من أنواع معينة لا يبيعها إلا فئة معينة من التجار، ففي هذه الحال للحاكم أن يتدخل في الأسعار (81) .

ومن ذلك أيضًا: احتكار الخدمات على فئة معينة، أو شركة معينة، لا يقدمها غيرها، ففي هذه الحال للحاكم أن يلزم تلك الفئة أو الشركة أن تقدم خدماتها بسعر معين مثال ذلك: شركة الكهرباء أو الهاتف، أو غيرها من الشركات التي تقدم خدماتها للناس، إذا كانت محصورة في شركات معينة (82) .

والقاعدة العامة: في الحالات التي يجب فيها التسعير أنه كلما استولى على التجار الجشع، وتمكن من نفوسهم الطمع، وسيطرت عليهم الأنانية، وعمدوا إلى الاحتكار والاستغلال تعين على ولي الأمر التدخل بتحديد الأسعار.

وخلاصة رأي ابن تيمية وابن القيم أنه إذا لم تتم مصلحة إلا بالتسعير سعر عليهم السلطان تسعير عدل بلا وكس ولا شطط، وإذا اندفعت حاجتهم، وقامت مصلحتهم بدونه لم يفعل، وهذا يدل على أن الحالات المذكورة ليست حصرا للحالات التي يجب فيها التسعير، بل كلما كانت حاجة الناس لا تندفع إلا بالتسعير، ولا تتحقق مصلحتهم إلا به كان واجبا على الحاكم حقا للعامة، مثل وجوب التسعير على الوالي عام الغلاء كما قال به مالك، وهو وجه للشافعية -يضًا.

المبحث الرابع: كيفية التسعير:

أمر التسعير منوط بالجهات المختصة في الدولة، فليس لأحد أن يسعر على أحد سلعته، غير ولي الأمر ومن ينيبه من أهل الاختصاص للنظر في هذه القضية إذا احتاج إليها الناس.

وقد ذكر الفقهاء -الذين جوّزوا التسعير للمصلحة- أن التسعير من حقوق ولاة الأمر، وأنه لا بد أن يكون وفق مبررات مقبولة، ولا بد من مراعاة العدل فيه، فلا يجوز أن يظلم جانب التجار على حساب جانب المستهلكين، ولا يجوز أن يظلم جانب المستهلكين على حساب التجار والباعة، ومن نصوص الفقهاء في ذلك:

ما ذكره غير واحد من فقهاء الحنفية أنه:"إذا تعدى أرباب الطعام في القيمة تعديًا فاحشًا، كالضعف، وعجز الحاكم عن صيانة حقوقهم إلا بالتسعير، فلا بأس حينئذ به، أي بالتسعير بمشورة أهل الخبرة أي أهل الرأي والبصارة، لأن فيه صيانة حقوق المسلمين عن الضياع" (83) .

ونقل أبو الوليد الباجي من فقهاء المالكية عن ابن حبيب قوله:"ينبغي للإمام أن يجمع وجوه أهل سوق ذلك الشيء، ويحضر غيرهم استظهارًا على صدقهم، فيسألهم كيف يشترون وكيف يبيعون؟ فينازلهم إلى ما فيه لهم وللعامة سداد حتى يرضوا به" (84) .

قال الباجي:"ووجه ذلك أن بذلك يتوصل إلى معرفة مصالح الباعة والمشترين، ويجعل للباعة في ذلك من الربح ما يقوم بهم، ولا يكون فيه إجحاف بالناس، وإذا سعر عليهم من غير رضا، بما لا ربح لهم فيه، أدى ذلك إلى فساد الأسعار، وإخفاء الأقوات، وإتلاف أموال الناس" (85) .

وكلام الباجي هذا في غاية الدقة، فمقصود التسعير رفع الظلم عن عموم الناس، مع تحصيل التوازن ومراعاة جميع المصالح، وليس من المصلحة في شيء فرض الأسعار من غير نظر وموازنة بين المصالح أو المفاسد المترتبة عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت