الصفحة 5 من 33

قليلًا، فيرفعون في ثمنها؛ ليصلوا إليها، فتغلو بذلك الأسعار. ويحصل الإضرار بالجانبين: جانب الملاك في منعهم من بيع أملاكهم، وجانب المشتري في منعه من الوصول إلى غرضه (24) .

المبحث الثاني: خلاف العلماء في التسعير للمصلحة.

اختلف الفقهاء في حكم التسعير وإلزام أهل السوق بالبيع بثمن معين، إذا اقتضى ذلك مصلحة عامة، ولهم في ذلك قولان:

القول الأول: تحريم التسعير، فلا يجوز لولي الأمر، أو الجهات ذات الاختصاص تحديد أسعار السلع والخدمات، ولو اقتضى ذلك مصلحة العامة.

وهذا هو مذهب الشافعية (25) ، والحنابلة (26) ، وابن حزم من الظاهرية (27) .

أدلة هذا القول:

أولًا: استدل أصحاب هذا القول بالأدلة التي تقدم ذكرها في أن الأصل في التسعير هو المنع والحرمة، وهي كما يلي:

1 -الأدلة العامة التي تشترط الرضا في العقود، حيث إن العمل بالتسعير يفوت التراضي الذي جعله الله مبيحًا للتجارة، وأنه أخذ للأموال من غير طيب نفس من أصحابها (28) .

وقد نوقشت تلك الأدلة: بأن هذا الأصل في عقود المعاوضات وهو اشتراط الرضا قد استثنى الشارع منه أشياء يجوز فيها الإكراه، وهو ما كان الإكراه فيه بحق، فيجوز الإكراه على البيع بحق في مواضع مثل: بيع المال لقضاء الدين الواجب والنفقة الواجبة، والإكراه على ألا يبيع إلا بثمن المثل لا يجوز إلا بحق ويجوز في مواضع؛ مثل: المضطر إلى طعام الغير، ومثل: الغراس والبناء الذي في ملك الغير؛ فإن لرب الأرض أن يأخذه بقيمة المثل لا بأكثر. ونظائره كثيرة (29) .

يقول ابن تيمية:"ولعل من استقرأ الشريعة تبين له أن المعاوضة إذا احتاج المسلمون إليها بلا ضرر يزيد على حاجة المسلمين وجبت، فأما عند عدم الحاجة ومع حاجة رب المال المكافية لحاجة المعتاض فرب المال أولى؛ فإن الضرر لا يزال بالضرر، والرجل أحق بماله من ولده ووالده والناس أجمعين" (30) .

وأيضًا فإن مما يجاب به عن تلك الأدلة العامة التي فيها منع الإكراه في العقود ما ذكره بعض فقهاء الحنفية من أن ولي الأمر في التسعير لم يأمر البائع بالبيع، وإنما أمره أن لا يزيد الثمن على كذا، وفرق ما بينهما (31) .

2 -الأحاديث التي فيها امتناع النبي -صلى الله عليه وسلم- من التسعير، وجعله مظلمة، فلو كان التسعير جائزًا لأجابهم إليه، ولما وصفه بأنه ظلم (32) .

ونوقش هذا الاستدلال بجوابين:

الأول: أن تلك الأحاديث المانعة من التسعير تعتبر من قضايا الأعيان التي وردت في وقائع معينة، فهي ليست لفظًا عامًا يحتج به على كل واقعة، ومما يدل على ذلك أنه يجوز أن يكون امتناع النبي صلى الله عليه وسلم من التسعير؛ لأنه لم يمتنع أحد من بيع يجب عليه، أو أنه لم يطلب أحد في بيع يجب عليه أكثر من عوض المثل (33) .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"فالأحاديث ليس فيها أن أحدًا امتنع من بيع يجب عليه أو عمل يجب عليه؛ أو طلب في ذلك أكثر من عوض المثل، ومعلوم أن الشيء إذا رغب الناس في المزايدة فيه، فإذا كان صاحبه قد بذله كما جرت به العادة، ولكن الناس تزايدوا فيه، فهنا لا يسعَّر عليهم، والمدينة كما -ذكرنا- إنما كان الطعام الذي يباع فيها غالبًا من الجلب؛ وقد يباع فيها شيء يزرع فيها؛ وإنما كان يزرع فيها"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت