الصفحة 6 من 33

الشعير؛ فلم يكن البائعون ولا المشترون ناسًا معينين؛ ولم يكن هناك أحد يحتاج الناس إلى عينه أو إلى ماله؛ ليجبر على عمل أو على بيع، وكان إكراه البائعين على أن لا يبيعوا سلعهم إلا بثمن معين إكراهًا بغير حق، وإذا لم يكن يجوز إكراههم على أصل البيع، فإكراههم على تقدير الثمن كذلك لا يجوز" (34) ."

فترك النبي صلى الله عليه وسلم التسعير لعدم الحاجة إليه، فما قاله النبي -صلى الله عليه وسلم- حق وما فعله حكم، لكن على قوم صح ثباتهم، واستسلموا إلى ربهم، وأما قوم قصدوا أكل أموال الناس والتضييق، فباب الله أوسع، وحكمه أمضى (35) .

الثاني: أن التسعير عند وجود المصلحة الظاهرة لا يعارض هذا الحدي، بل الحقيقة أن التسعير عند المصلحة فيه عمل بمفهوم الحديث، لأن النبي صلى الله عليه وسلم علّق امتناعه عن التسعير بأنه يترتب عليه ظلم للناس، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم:"وإني لأرجو أن ألقى ربي، وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال" (36) ، فالمفهوم أنه إذا كان لا يتضمن ظلمًا، وكان مبناه على العدل فهو جائز، فامتناع النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان لعدم تحقق علة التسعير، لأن غلاء الأسعار لم يكن بسبب ظلم الباعة، بل كان حالة طبيعية نتيجة ظروف العرض والطلب، ولو كان ارتفاع الأسعار بسبب ظلم الباعة، وتلاعبهم بقوانين العرض والطلب، لسعر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، لأن الظلم لا تقرّه شريعة، فالحديث يشير إلى جواز التسعير عند الحاجة إليه.

3 -الدليل العقلي: على عدم جواز التسعير، بأن التسعير قد يفضي إلى غلاء الأسعار وارتفاعها بسبب اختلال قانون العرض والطلب (37) .

ويمكن أن يناقش هذا: بأن الغاية من التسعير الإصلاح ورفع الضرر عن الناس، وإقامة العدل بينهم، فما لم يحصل ذلك فهو محرم على الأصل، وأشد منه إذا كان يترتب عليه مفاسد وظلم، والذين قالوا بجواز التسعير للمصلحة -كما سيأتي- نصوا على أن التسعير الجائز هو الخالي عن الظلم عن البائعين والمشترين، فبناء التسعير على المصلحة ورفع الظلم والمراعاة لكل أهل السوق.

القول الثاني: جواز التسعير للمصلحة العامة، فيحق لولي أمر المسلمين ومن ينيبه من جهات الاختصاص العمل على تحديد أسعار السلع والخدمات إذا اقتضى ذلك مصلحة العامة وحاجتهم.

وهذا هو مذهب الحنفية (38) ، والمالكية (39) ، وهو قول عند الشافعية (40) ، ووجه عند الحنابلة (41) ، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (42) وابن القيم (43) .

وهذا القول مروي عن بعض السلف، قال ابن عبد البر:"وقال الليث بن سعد، وهو قول ربيعة، ويحيى بن سعيد، لا بأس بالتسعير على البائعين للطعام، إذا خيف منهم أن يفسدوا أسواق المسلمين، ويغلوا أسعارهم، وحق على الوالي أن ينظر للمسلمين فيما يصلحهم ويعمهم نفعه، قال الليث: وقال ربيعة: السوق موضع عصمة ومنفعة للمسلمين، فلا ينبغي للوالي أن يترك أهل الأسواق وما أرادوه من أنفسهم إذا كان في ذلك فساد لغيرهم ولو كان في ذلك إخراجهم من السوق وإدخال غيرهم فيه، والقيمة حسنة، ولا بد منها عند الحاجة إليها، مما لا يكون فسادًا ينفر به الجالب، ويمتنع به التاجر من البيع، لأن ذلك - أيضًا - باب فساد لا يدخل على الناس، ولم يكن رأي الوالي إقامة السوق وإصلاحها، قال ربيعة: وإصلاح الأسواق حلال" (44) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت