الصفحة 19 من 33

ودليل هذا القول: أن البائع قد صار محجورًا عليه لنوع مصلحة، كما يحجر على المبذر (118) .

لكن يمكن أن يجاب عن هذا: بالفرق بين الحجر الذي يمنع فيه الإنسان من التصرف في ملكه لحق غيره كما في الحجر على السفيه أو المبذر، والحجر الذي يكون للمصلحة العامة، فإن هذا في الحقيقة ليس حجرًا بالمعنى الشرعي، بل فعل ولي الأمر أشبه ما يكون بالفتوى التي تحمل الناس على العمل بمقتضاها (119) ، فالمخالفة حرام، ومن خالف يستحق التعزير - كما سيأتي - لكن العقد في نفسه نافذ؛ لاستكمال شروطه وأركانه، ولعدم وجود ما يمنع من نفاذه شرعًا.

القول الثاني: صحة عقد البيع مع مخالفة السعر المحدد من قبل ولي الأمر.

وهذا الذي نص عليه فقهاء الحنفية (120) ، وهو الأصح عند الشافعية (121) .

قال الزيلعي من فقهاء الحنفية:"إذا فعل (أي السلطان) ذلك (أي التسعير) على رجل فتعدى عن ذلك، فباعه بثمن فوقه أجازه القاضي، وهذا لا يشكل عند أبي حنيفة؛ لأنه لا يرى الحجر على الحر، وكذا عندهما إلا أن يكون الحجر على قوم بأعيانهم؛ لأنه إذا لم يكن على قوم بعينهم لا يكون حجرًا، بل يكون فتوى في ذلك" (122) .

وقال الخطيب الشربيني من فقهاء الشافعية:"فلو سعر الإمام عزر مخالفه، بأن باع بأزيد مما سعر؛ لما فيه من مجاهرة الإمام بالمخالفة، وصح البيع؛ إذ لم يعهد الحجر على الشخص في ملكه أن يبيع بثمن معين" (123) .

ودليل هذا القول: ما سبق من أن الإلزام بالسعر وتحريم مخالفته إنما هو من باب الفتوى، فليست حكمًا وضعيًا يدل على فساد العقد أو بطلانه، فليس للحاكم التحكم في صحة العقود، بل له الأمر والنهي، من غير حكم بالبطلان (124) .

ولأن العقد مكتمل الشروط والأركان، وليس فيه ما يمنع من انعقاده شرعًا.

الراجح من هذين القولين:

بعد النظر في القولين في المسألة، وما استدل به كل فريق تبيّن -والله أعلم- أن البيع مع مخالفة السعر المحدد من قبل ولاة الأمر بيع صحيح، لاستكماله شروط العقد المعتبرة، ولعدم وجود ما يمنع من صحة العقد، أما ما استدل به القائلون بعدم صحة البيع فقد تمت الإجابة عنه بما يكفي - إن شاء الله -.

المسألة الثالثة: عقوبة مخالف التسعير.

صرح فقهاء الحنفية والشافعية بأن للإمام أن يعزر من خالف التسعير الذي رسمه؛ لما فيه من مجاهرة الإمام بالمخالفة.

يقول ابن نجيم الحنفي:"ينبغي للقاضي وللسلطان أن لا يعجل بعقوبة من باع فوق ما سعر، بل يعظه ويزجره، وإن رفع إليه ثانيًا فعل به كذلك، وهدده، وإن رفع إليه ثالثًا حبسه وعزره، حتى يمتنع عنه، ويمتنع الضرر عن الناس" (125) .

ويقول الخطيب الشربيني الشافعي:"لو سعر الإمام عزر مخالفه، الذي باع بأزيد مما سعر؛ لما فيه من مجاهرة الإمام بالمخالفة" (126) .

كما ذكر فقهاء المالكية أن لولي الأمر إخراج من خالف التسعير من السوق (127) .

وهذا نوع من التعزير، لأن التعزير ليس له عقوبة مقدرة، بل قد يكون بالإنذار أو التهديد أو الحبس أو الإيقاف أو الإخراج من السوق أو منع الترخيص أو التعزير بالغرامة المالية أو نحو ذلك مما يراه ولي الأمر ومن ينيبه من الاختصاص مؤديًا للغرض ومحصلًا للمصلحة، ودافعًا للمفسدة.

المبحث السابع: التسعير في الأزمات المالية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت