ذلك بطء اقتصادي وأزمة مالية توجب تدخل من له الأمر، ليبحث عن أي حلّ يرفع الظلم والتعسف، ويضع التوازن الطبيعي والواقعي لتلك الأسعار المرتفعة، ومن تلك الحلول أو الأدوات المطروحة ما يسميه الفقهاء بالتسعير.
والتسعير في حقيقته منع من الحرية المطلقة للتجار والباعة، لذلك فهو أمر مختلف فيه بين الفقهاء، والخلاف سببه تعارض بعض المفاهيم للنصوص الشرعية، أو تعارض النظر الذي يحقق المصلحة الحقيقية.
وهذا البحث يأتي لبيان هذه القضية بيانًا واضحًًا، ينطلق من الإيمان بوجوب ردّ كل القضايا التي تهم الأمة إلى كتاب الله سبحانه، وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ولعلي أوجز هنا أهم الدوافع لطرح هذا الموضوع، والكتابة فيه بهذه الصورة، في أمرين:
الأول: عالمنا اليوم بأمس الحاجة للاقتصاد الإسلامي، كوسيلة عادلة للتعامل، وأداة صالحة لحل وعلاج المشكلات والأزمات الكبرى التي تعصف بالعالم، والتي لا يزال جزء منها قائمًا حتى اليوم.
الثاني: الرغبة في تحرير مسائل هذا الموضوع، مع الجمع -ما أمكن- بين الآثار المروية في السنة النبوية وأقوال السلف الصالح، وما ذكره الفقهاء المتقدمون، وبين ما يطرحه الاقتصاديون اليوم، ليستفاد من كل ذلك للتوصل إلى حلول شرعية لتلك الأزمات الاقتصادية مدعمةً بالأدلة الصحيحة، وهذا ما لم أجده -في حدود اطلاعي- فيما وقفت عليه في المكتوب حول هذا الموضوع.
أما محاور البحث فقد رأيت أن تكون على النحو التالي:
التمهيد، وفيه: مبحثان:
أولًا: تعريف التسعير.
ثانيًا: المصطلحات الاقتصادية والفقهية المقاربة للفظ السعر.
المبحث الأول: الأصل في التسعير، والنصوص الواردة فيه.
المبحث الثاني: خلاف العلماء في التسعير للمصلحة.
المبحث الثالث: حالات جواز التسعير.
المبحث الرابع: كيفية التسعير.
المبحث الخامس: العقود والسلع التي يدخلها التسعير.
المبحث السادس: الالتزام بالتسعير، وحكم مخالفته.
المبحث السابع: التسعير في الأزمات المالية.
هذا والله المسؤول أن يبارك هذا العمل، وأن يجعله من الحسنات المقبولة عنده.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
وفيه مبحثان:
أولًا: تعريف التسعير.
ثانيًا: المصطلحات الاقتصادية والفقهية المقاربة للفظ السعر.
أولًا: تعريف التسعير:
التسعير في اللغة: تقدير السعر، أو هو الذي يقوم عليه الثمن، وجمعه أسعار، وقد أسعروا وسعَّروا بمعنى واحد، أي: اتفقوا على سعر، يقال سعَّرت الشيء (تسعيرًا) : جعلت له (سعرًا) معلومًا ينتهي إليه، و (أسْعَرته) بالألف، لغة، وله (سعر) إذا زادت قيمته، وليس له (سِعْر) إذا أفرط رخصه (2) .