وقال ابن القيم:"وأما التسعير فمنه ما هو ظلم محرم، ومنه ما هو عدل جائز، فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه أو منعهم مما أباح الله لهم فهو حرام، وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على من يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عوض المثل فهو جائز بل واجب" (86) .
ثم مثل الشيخ ابن القيم لهذين القسمين، فقال:"فأما القسم الأول: فمثل ما روى أنس قال: غلا السعر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا يا رسول الله: لو سعرت لنا، فقال: إن الله هو القابض والرازق الباسط المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال"رواه أبو داود والترمذي وصححه، فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم، وقد ارتفع السعر إما لقلة الشيء وإما لكثرة الخلق، فهذا إلى الله، فإلزام الناس أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراه بغير حق.
وأما الثاني فمثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها مع ضرورة الناس إليها إلا بزيادة على القيمة المعروفة، فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل، ولا معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل، فالتسعير ههنا إلزام بالعدل الذي ألزمهم الله به" (87) ."
وقال -أيضًا-:"ولا يجوز عند أحد من العلماء أن يقول لهم لا تبيعوا إلا بكذا وكذا ربحتم أو خسرتم من غير أن ينظر إلى ما يشترون به، ولا أن يقول لهم فيما قد اشتروه لا تبيعوا إلا بكذا وكذا مما هو مثل الثمن أو أقل" (88) .
وبهذه النصوص الفقهية يعلم أن التسعير نوع من العدل الذي أوجبه الله على من ولي أمر المسلمين، وأن مبناه على رعاية مصالح الناس سواء كانوا باعة أو مبتاعين.
ويعلم - أيضًا - أن على ولاة الأمر ونوابهم في الجهات المعنية في الدول - عند إرادة التسعير - دراسة وضع السوق دراسة فاحصة، والاستعانة بالخبراء والاقتصاديين، وإحضار كافة الأطراف المعنية بالقضية والسماع من الجميع، في مجالس ومؤتمرات تعقد لأجل هذه القضية، ويصدر الرأي فيها بناء على تلك التوصيات والرؤى المطروحة.
يمكن أن يجري التسعير -عند من قال بجوازه- في كثير من أنواع العقود، خاصة عقود المعاوضات، وهذا ذكر لجملة من أنواع العقود التي يجري فيها التسعير:
أولًا: التسعير في عقد البيع:
يعتبر التسعير في البيع هو الأكثر والأشهر، ومع هذا فقد حصل خلاف بين القائلين بالتسعير في البيوع، في مدى عموميته وخصوصيته، وفي أنواع السلع التي يجري فيها، ولهم في ذلك أقوال أهمها ثلاثة:
القول الأول: أن التسعير يكون في الأقوات خاصة، سواء كانت للآدميين أو للبهائم.
وذهب إلى هذا القول جماعة من فقهاء الحنفية (89) ،وهو رأي لبعض الشافعية (90) .
دليل هذا القول:
أن الحاجة إلى ما في أيدي الناس من الأقوات أكثر من غيرها، ولذلك يمنع من الاحتكار في الأقوات ولا يمنع منه في غيرها (91) .
ويمكن أن يجاب عن هذا الاستدلال:
بأنه وإن كانت الحاجة في الأطعمة والأقوات أشد، إلا أنه في غيرها يدخل الضرر على العامة، وخاصة في هذه العصور المتأخرة، فقد أصبحت كثير من الأشياء من