الصفحة 14 من 33

غير الأطعمة حاجة ملحة في حياة الناس، وربما لم تكن كذلك في وقت سبق، ولأنه لا دليل على التخصيص بالطعام إلا مجرد مظنة الحاجة، والأولى ربط الحكم بعلته فمتى وجدت الحاجة إلى السلع طعامًا أو غيره وجد التسعير، وإلا فلا.

وأما قياس ما يدخله التسعير على ما يدخله الاحتكار، فيمكن أن يسلّم به من جهة أن العلّة في المنع من الاحتكار والعلّة في جواز التسعير واحدة وهي الحاجة ودفع الضرر، لكنه من غير المسلّم أن ذلك لا يكون إلا في الأقوات، بل الاحتكار يدخل سائر السلع التي يحتاج إليها الناس على الصحيح، وليس ذلك مقصور على الأقوات فقط (92) .

القول الثاني: أن التسعير خاص بالمكيلات والموزونات فقط، سواء كانت مأكولة أو غير مأكولة.

وهذا هو رأي ابن حبيب من المالكية (93) .

دليل هذا القول: قال الباجي في الاستدلال لهذا القول:"إن المكيل والموزون يرجع فيه إلى المثل، فلذلك وجب أن يحمل الناس فيه على سعر واحد، وغير المكيل والموزون لا يرجع فيه إلى المثل، وإنما يرجع فيه إلى القيمة، ويكثر اختلاف الأغراض في أعيانه، فلما لم يكن متماثلًا لم يصح أن يحمل الناس فيه على سعر واحد، وهذا إذا كان المكيل والموزون متساويًا في الجودة، فإذا اختلف صنفه لم يؤمر من باع الجيّد أن يبيعه بمثل سعر ما هو أدون، لأن الجودة لها حصة من الثمن كالمقدار" (94) .

ويمكن أن يجاب عن هذا الاستدلال:

بأن حصر المثلي في المكيل والموزون لا دليل عليه، بل المثلي ما وجد له مثل في الأسواق سواء كان مكيلًا أو موزونًا أو غيرهما، ولذلك يمكن أن يكون التسعير للسلع المتساوية والمتماثلة، أما السلع التي يدخل فيها الاختلاف كثيرًا، فلا يمكن فيها التسعير، لأنه يكون حينئذ نوع من الظلم، بل بعض السلع وإن كانت من المكيلات أو الموزونات قد تختلف في الجودة فيسعر كل نوع على حدة، ولعل من الأمثلة على ذلك أنواع التمر أو أنواع الأرز، فليست كلها على درجة واحدة في الجودة، بل هي تختلف وتتفاوت تفاوتًا بيّنًا، لذلك لم يصر كونها مثلية أو مكيلة مبررًا للتسعير فقط.

وعلى هذا فالضابط في ذلك تحري العدل، وتساوي السلع المسعرة.

القول الثالث: جواز التسعير في جميع السلع، سواء كانت طعامًا أو غيره، وسواء كان المبيع مكيلًا أو موزونًا أو غيره.

وهذا قول لبعض فقهاء الحنفية (95) ، وبعض فقهاء الحنابلة، كابن تيمية (96) ، وابن القيم (97) .

دليل هذا القول:

1 -أن العلة في جواز التسعير هي رفع الضرر عن العامة، وهذه العلة قد توجد في كثير من أنواع السلع، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فما دام الضرر بالعامة موجودًا في ارتفاع سعر أي سلعة مع حاجة عامتهم إليها فالنظر في تسعيرها وارد.

2 -أن قصر التسعير على بعض السلع دون بعض تحكم لا دليل عليه، والأصل أن الحكم الشرعي عام، ما لم يرد دليل نقلي أو عقلي مقبول على التخصيص.

3 -خرج بعض الحنفية الجواز بناء على ما قال أبو يوسف رحمه الله في الاحتكار حيث يعتبر حقيقة الضرر، فكل ما أضر بالعامة، حرم احتكاره دون تخصيص ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت