الصفحة 10 من 33

العام للأسعار، فيحدُّ ذلك من الشراء الذي يستبق به الناس ارتفاع الأسعار مع عدم حاجتهم لتلك المشتريات (67) .

الراجح في المسألة:

بعد عرض القولين في هذه المسألة والنظر في أدلة كل قول، تبيّن -والله أعلم- أن الراجح في المسألة هو جواز التسعير عند تحقق المصلحة، وفق ضوابط معينة يجمعها ضابطان:

الأول: وجود الحاجة العامة للناس لتلك السلع.

وثانيهما: ألا يكون سبب الغلاء قلة العرض أو كثرة الطلب.

كما صدر بذلك قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة في دورته الخامسة المنعقدة بالكويت من 1 إلى 6 جمادى الأولى 1409 هـ / 10 إلى 15 كانون الأول (ديسمبر) 1988 م، حيث أجاز تدخل ولي الأمر في النشاط الاقتصادي عند الحاجة ومن ذلك التسعير، فجاء في القرار:"لا يتدخل ولي الأمر بالتسعير، إلا حيث يجد خللًا واضحًا في السوق والأسعار، ناشئا من عوامل مصطنعة، فإن لولي الأمر حينئذ، التدخل بالوسائل العادية الممكنة، التي تقضي على تلك العوامل، وأسباب الخلل والغلاء والغبن الفاحش" (68) .

المبحث الثالث: حالات جواز التسعير.

تقدم في المبحثين السابقين أن الأصل في التسعير المنع، وأن الجواز مختلف فيه في حالات معينة هي حالات الحاجة أو المصلحة للتسعير، وقد ذكر بعض الفقهاء والباحثين بعض الحالات التي ينبغي لولاة الأمر التسعير فيها، وهي في الحقيقة أمثلة للجواز المبني على الحاجة والمصلحة، فليست حالات التسعير محصورة فيها، بل متى ما وجدت المصلحة لأي سبب وتحت أي ظرف كان ولي الأمر أحق بإجبار الناس على سعر معين يلتزمون به، ولعل من أوضح الأمثلة أو الحالات التي يمكن أن يكون التسعير فيها واجبًا على ولاة الأمر ما يلي:

وجود الغلاء الفاحش مع الحاجة الماسة لعموم الناس:

فإذا كان بالناس حاجة إلى سلع معينة لا غنى لهم عنها، وهي مرتفعة ارتفاعًا فاحشًا فيجب على جهات الاختصاص التدخل لدفع الضرر عن عموم الناس، وصيانة أرواحهم وأموالهم، وقد قيّد بعض الفقهاء تلك الحاجة بالحاجة إلى القوت والطعام، وفي هذا المعنى يقول فقهاء الحنفية:"لا ينبغي للسلطان أن يُسَعِّر على الناس إلا إذا تعلق به دفع ضرر العامة، كأن يتعدى أرباب الطعام عن القيمة تعديًا فاحشًا"، وذكر بعض فقهاء الحنفية أن التعدي الفاحش هو ما تجاوز ضعف القيمة (69) ، وجاء في"الأشباه والنظائر"للعلامة ابن نُجَيم من الحنفية:"يُتحمَّل الضررُ الخاص لدفع الضرر العام، وعليه فروع: منها التسعير عند تعدي أرباب الطعام في بيعه بغبن فاحش" (70) ، لكن الصحيح - كما سيأتي- عدم تقييد ذلك بالطعام، وعمومه في كل السلع التي يحتاجها عامة الناس (70) .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية تجاه هذه المسألة:"لولي الأمر أن يكره الناس على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند ضرورة الناس إليه، مثل من عنده طعام لا يحتاج إليه والناس بحاجة ماسة، فإنه يجبر على بيعه للناس بقيمة المثل، ولهذا قال الفقهاء: من اضطر إلى طعام الغير أخذه منه بغير اختياره بقيمة المثل، ولو امتنع عن بيعه إلا بأكثر من سعره لم يستحق إلا سعره" (72) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت