الملاك في منعهم من بيع أملاكهم، وجانب المشتري في منعه من الوصول إلى غرضه، فيكون حرامًا" (60) ."
لكن هذا الاعتراض يجاب عنه: بأن التسعير الجائز هو التسعير الذي تتحقق فيه المصلحة، فليس لولي الأمر أن يسعر على الناس تسعيرًا مضرًا يؤدي إلى الغلاء وارتفاع أسعار السلع، وهذا يرجع إلى أن قرار التسعير واستعماله من الجهات المختصة في الدول بناؤه على تحصيل مصلحة الناس، فيجب اتخاذ التدابير الكافية في تحقيق ذلك، كما يجب إجراء مراجعة العوامل المؤثرة في الأسعار؛ لئلا يجحف بأصحاب السلع والخدمات.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"السعر منه ما هو ظلم لا يجوز، ومنه ما هو عدل جائز، فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه، أو منعهم مما أباحه الله لهم فهو حرام. وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل، ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ زيادة على عوض المثل فهو جائز، بل واجب" (61) .
فكون التسعير قد يترتب عليه شيء من الظلم لا يسوّغ ذلك منعه بالكلية، بل الواجب تحري العدل في استعماله؛ لتحصيل المصالح المترتبة عليه، ولذلك ذكر العلماء أنه يجب في التسعير أن يكون عن علم بأحوال الأسواق، وأن يراعى في ذلك مصلحة جميع أصحاب السلع والخدمات والمستهلكين.
قال ابن العربي المالكي بعد ذكر اختلاف العلماء في حكم التسعير:"والحق: التسعير، وضبط الأمر على قانون لا تكون فيه مظلمة على أحد من الطائفتين، وذلك قانون لا يعرف إلا بالضبط للأوقات ومقادير الأموال" (62) .
وقال ابن القيم:"وجماع الأمر: أن مصلحة الناس إذا لم تتم إلا بالتسعير سعَّر عليهم تسعير عدل، لا وكس ولا شطط، وإذا اندفعت حاجتهم وقامت مصلحتهم بدونه لم يفعل" (63) .
2 -أن من القواعد الفقهية المقررة أنه: يتحمل الضرر الخاص لأجل دفع الضرر العام، وهذه قاعدة فقهية مشهورة، ومعناها: أنه إذا توقع حدوث ضررين فإن الأخف منهما يتحمل لأجل الأشد والأقوى، ولا شك أن ما ضرره عام على الناس أشد وأقوى من ضرر فرد أو أفراد محصورين، وهذا في حال تيقن حصول الضرر على العموم، فيدفع ولو تضرر جزء يسير من ذلك العموم، ولذا ذكر بعض فقهاء الحنفية من الأمثلة والفروع على هذه القاعدة: التسعير عند تعدي أرباب الطعام في بيعه بغبن فاحش (64) .
3 -أن التسعير للمصلحة فيه أخذ بمبدأ سد الذرائع، فإن من المفاسد المترتبة على إطلاق حرية التجارة، وترك التجار يعبثون في الأسعار دون وازع أو رادع، الإفضاء إلى الاستغلال والجشع والتحكم في ضروريات الناس وأقواتهم (65) ، وقد يفضي ذلك - أيضًا - إلى مشكلة أخرى وهي الاحتكار، طلبًا لارتفاع أكبر للأسعار (66) .
4 -أن في استعمال التسعير معالجة لآثار التضخم النقدي، والسيطرة عليه، وتحقيق العدالة الاجتماعية بإنصاف الفئات الأكثر تضررًا من الاختلال الناتج عن التضخم النقدي، فالتسعير يمنع ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية التي يقوم عليها معاش الناس، كما أن التسعير يعمل على طمأنة المستهلك من توالي ارتفاع المستوى