الصفحة 8 من 33

-كما هو معروف- له سنة متبعة، بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم:"فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ" (51) .

وقد أجيب عن هذا الأثر بثلاثة أجوبة:

أولها: أن هذا الأثر عن عمر ضعيف، فإن القاسم لم يدرك عمر فهو منقطع (52) .

ويمكن أن يناقش هذا الجواب: بأن الأثر قد روي من طريق أخرى غير هذا الطريق، وقد حكم عليه جماعة من المحققين بالصحة -كما تقدم- (53) .

ثانيها: أن هذا اجتهاد من عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد جاء النص بخلافه، ولا اجتهاد مع وجود النص (54) .

ويمكن أن يناقش هذا الجواب: بأن الأثر عن عمر رضي الله عنه لم يخالف فيه السنة، بل إن عمر رضي الله عنه من أعلم الناس بالسنة، خاصة في مثل هذا الأمر الذي يهم عموم الناس، ولو خالف السنة لاعترض عليه في ذلك، والسنة إنما جاءت بالامتناع عن التسعير حيث لا مصلحة ولا حاجة، وفعل عمر رضي الله عنه كان من أجل مراعاة مصالح الناس وحاجاتهم.

وثالثها: أن عمر رضي الله عنه قد رجع عن قوله هذا، فقد روى فيه الشافعي بسنده:"أن عمر رضي الله عنه لما رجع حاسب نفسه ثم أتى حاطبًا رضي الله عنه في داره فقال: إن الذي قلت لك ليس بعزيمة مني ولا قضاء، وإنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد فحيث شئت فبع، وكيف شئت فبع" (55) .

قال الشافعي بعد أن ساق تمام الحديث:"وهذا الحديث مستقصى، وليس بخلاف لما رواه مالك، ولكنه روى بعض الحديث، أو رواه عنه من رواه، وهذا أتى بأول الحديث وآخره، وبه أقول؛ لأن الناس مسلطون على أموالهم ليس لأحد أن يأخذها أو شيئًا منها بغير طيب أنفسهم، إلا في المواضع التي تلزمهم وهذا ليس منها" (56) .

ويمكن أن يناقش هذا الجواب: بأن هذا التراجع مروي من طريق منقطعة ضعيفة، فهو من رواية القاسم بن محمد عن عمر رضي الله عنه، والقاسم لم يدرك عمر، فهو منقطع.

ثالثًا: أن في هذا القول مراعاة للأدلة العقلية، والقواعد الشرعية، فمن ذلك:

1 -أن الوسائل لها أحكام المقاصد (57) ، والتسعير من أقوى الوسائل الاقتصادية التي يستفيد منها ولاة أمور المسلمين في تحقيق العدل، وتحصيل المصالح العامة (58) .

وقد اعترض على هذه النظرة بعض الفقهاء المتقدمين، وذكروا أن إجبار الجلب والبائعين على البيع بسعر محدد يجرّ إلى مفاسد كبيرة، بل ربما أدى ذلك إلى ارتفاع الأسعار والغلاء.

يقول الماوردي:"وأما قولهم إن فيه مصلحة الناس في رخص أسعارهم عليه، فهذا غلط بل فيه فساد، وغلاء الأسعار، لأن الجالب إذا سمع بالتسعير امتنع من الجلب، فزاد السعر، وقلّ الجلب والقوت، وإذا سمع بالغلاء، وتمكين الناس من بيع أموالهم كيف احتووا جلب ذلك، طلبًا للفضل فيه، وإذا حصل الجلب اتسعت الأقوات، ورخصت الأسعار" (59) .

ويقول ابن قدامة:"قال بعض أصحابنا: التسعير سبب الغلاء؛ لأن الجالبين إذا بلغهم ذلك لم يقدموا بسلعهم بلدًا يكرهون على بيعها فيه بغير ما يريدون، ومن عنده البضاعة يمتنع من بيعها ويكتمها، ويطلبها أهل الحاجة إليها فلا يجدونها إلا قليلًا، فيرفعون في ثمنها ليصلوا إليها، فتغلو الأسعار، ويحصل الأضرار بالجانبين، جانب"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت