ويلاحظ في هذا القول أن الفقهاء إنما جوزوا التسعير رعاية للمصلحة ودفعًا للضرر، ولذلك نص بعضهم على أنه: يجب على من ولي أمر المسلمين النظر في التسعير، إذا اقتضى الأمر ذلك، كما تقدم.
أدلة هذا القول:
أولًا: حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:"من أعتق شِرْكًا له في عبد، فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوِّم العبد عليه قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد" (45) .
وجه الدلالة في الحديث: أنه صلى الله عليه وسلم أمر بتقويم العبد المشترك إذا أعتق أحد الشريكين نصيبه، فيقوم على المعتق بقيمة المثل، ويجبر الشريك على البيع بالثمن المحدد.
وإذا كان الشارع يوجب إخراج الشيء من ملك مالكه بعوض المثل لحاجة الشريك إلى إعتاق ذلك، وليس للمالك المطالبة بالزيادة على نصف القيمة، فكيف بمن كانت حاجته أعظم من الحاجة إلى اعتاق ذلك النصيب؟ مثل حاجة المضطر إلى الطعام واللباس وغير ذلك، وهذا الذى أمر به النبى صلى الله عليه وسلم من تقويم الجميع بقيمة المثل هو حقيقة التسعير (46) .
يقول ابن القيم معلقًا على هذا الحديث:"وصار -يعني هذا الحديث- أصلًا في جواز إخراج الشيء من ملك صاحبه قهرًا بثمنه للمصلحة الراجحة، كما في الشفعة ... والمقصود أنه إذا كان الشارع يوجب إخراج الشيء عن ملك مالكه بعوض المثل لمصلحة تكميل العتق، ولم يمكن المالك من المطالبة بالزيادة على القيمة، فكيف إذا كانت الحاجة بالناس إلى التملك أعظم، وهم إليها أضر، مثل حاجة المضطر إلى الطعام والشراب واللباس وغيره، وهذا الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من تقويم الجميع قيمة المثل هو حقيقة التسعير" (47) .
وأجيب عن هذا الاستدلال: بأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث بتقويم العبد وبيعه بثمن المثل إنما كان للحاجة أو الضرورة من أجل تكميل العتق والحرية، وهي حق لله تعالى (48) .
ونوقش هذا الجواب: بأنه وإن كان ما قدره النبي صلى الله عليه وسلم من الثمن في سراية العتق هو لأجل تكميل الحرية وهو حق الله، فإن ما احتاج إليه الناس حاجة عامة فالحق فيه لله -أيضًا-، بل إن"حاجة المسلمين إلى الطعام واللباس وغير ذلك مصلحة عامة ليس الحق فيها لواحد بعينه، فتقدير الثمن فيها بثمن المثل على من وجب عليه البيع أولى من تقديره لتكميل الحرية، لكن تكميل الحرية وجب على الشريك المعتق ولو لم يقدر فيها الثمن لتضرر بطلب الشريك الآخر فإنه يطلب ما شاء، وهنا عموم الناس يشترون الطعام والثياب لأنفسهم وغيرهم فلو مكن من عنده سلع يحتاج الناس إليها أن يبيع بما شاء كان ضرر الناس أعظم، ولهذا قال الفقهاء: إذا اضطر الإنسان إلى طعام الغير وجب عليه بذله له بثمن المثل" (49) .
ثانيًا: الأثر المشهور في التسعير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه حيث وجده يبيع الزبيب بالمدينة، فقال: كيف تبيع يا حاطب؟ فقال: مدين بدرهم. فقال:"تبتاعون بأبوابنا وأفنيتنا وأسواقنا وتقطعون في رقابنا، ثم تبيعون كيف شئتم! بع صاعًا، وإلا فلا تبع في سوقنا" (50) .
وجه الدلالة في الأثر: أن أمر أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه لحاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه بأن يبيع الصاع بدرهم نوع من التسعير، وعمر رضي الله عنه