بدأت الأزمة المالية العالمية في الولايات المتحدة الأمريكية، وانتشرت سريعًا إلى أرجاء العالم كافة، لتتراجع بسبب تلك الأزمة معدلات النمو الاقتصادي المتوقعة، وترتفع المخاطر بدرجة كبيرة، هذه الأزمة المالية التي برزت معها تقلبات حادة في أسعار السلع والفائدة والعملات والأسهم والسندات ما زالت أسبابها الحقيقية عند البعض مبهمة ومتعددة، لذا سأصرف النظر عن تلك الأسباب، مع يقيني بأن السبب الرئيس هو السياسة المالية العالمية التي تقوم على الحرية الاقتصادية المطلقة، الخالية من ضوابط الشرع المطهر، تلك السياسة التي تمادت في بناء الاقتصاد الورقي والافتراضي بدلًا من الاقتصاد العيني والحقيقي.
كما أني لست بصدد ذكر كل أدوات العلاج ووسائل المدافعة، فهذا الموضوع يحتاج على دراسة موسعة عميقة، للتعرف على الأسباب الحقيقية وطرق علاجها، من منظور شرعي، وسأكتفي هنا بذكر أداة من الأدوات التي يذكرها كثير من الباحثين في علم الاقتصاد اليوم وهي أداة التسعير، كحل للأزمة، وعلاج لظاهرة التضخم أو الكساد، أو الارتفاعات غير المبررة لأنواع السلع والخدمات.
وقد تقدم في المباحث السابقة رأي الفقهاء في حكم التسعير، وحالات جوازه، والعقود التي يمكن أن تجري فيه، ومدى الالتزام به، وبقي هنا الإشارة إلى رأي بعض الاقتصاديين حول هذا الموضوع.
فقد ذكر علماء الاقتصاد أن تحديد أسعار السلع والخدمات يرجع إلى ما يعرف في علم الاقتصاد بقانون العرض والطلب، وخلاصة هذا القانون أن سعر أي سلعة أو خدمة يتوقف على مستوى طلبها من المشترين ومستوى عرضها من البائعين، وكل من هذين المستويين تحكمه عوامل معينة تؤثر فيه.
فمستوى الطلب يؤثر فيه عدة عوامل أبرزها:
الأول: عدد الراغبين في شراء هذه السلع والخدمات وقدرتهم على الشراء.
الثاني: أسعار السلع والخدمات البديلة التي يمكن أن تلبي رغبة المشترين.
أما مستوى العرض فيتأثر بعدة عوامل أبرزها:
الأول: الكمية الموجودة لدى البائعين والمنتجين.
الثاني: تكلفة إنتاج هذه السلع والخدمات.
الثالث: عدد المنتجين (128) .
ولما كان الارتفاع العام في أسعار السلع والخدمات هو معيار قياس التضخم النقدي، حيث إن التضخم النقدي حركة صعودية للأسعار تتصف بالاستمرار الذاتي تنتج عن كثرة الطلب الزائد على قدرة العرض، فإن من الوسائل المقترحة والأدوات الاقتصادية المستعملة في معالجة آثار التضخم النقدي تسعير السلع والخدمات، وذلك بتثبيت الأسعار وتحديدها (129) .
وفي العصر الحديث قامت عدة دول بتفعيل سياسة التسعير للحد من الضغوط التضخمية والارتفاعات المتلاحقة لأسعار السلع والخدمات، ومن أشهر تلك الدول البرازيل والأرجنتين، ومن الملاحظ على تلك التجارب أن تأثيرها لم يدم طويلًا، بل إن التضخم النقدي عاود جموحه بعد فترة قصيرة من النجاح، وذلك بسبب الاقتصار على هذه السياسة دون دعمها بالإجراءات المالية والنقدية الأخرى (130) .
واستعمال التسعير في معالجة آثار التضخم النقدي يحقق فائدتين: