الصفحة 21 من 33

الأولى: كبح ارتفاع أسعار السلع والخدمات التي لم يزد الطلب عليها، أو التي لم ترتفع تكاليف إنتاجها حماية للمشترين من مسايرة أصحاب السلع والخدمات للاتجاه التصاعدي للأسعار

الثانية: تشجيع الناس على الادخار ونقص الاستهلاك، فإنه في الظروف التضخمية وتصاعد الأسعار يزيد الطلب على السلع والخدمات تلافيًا للشراء بأسعار أكثر ارتفاعًا في المستقبل، وهذا المسلك لا يزيد الأمر إلا شدة والتضخم النقدي إلا زيادة، فالتسعير يعطي المستهلك طمأنينة في أن ما يحتاجه غدًا سيحصله بنفس سعر اليوم فلا داعي إلى شرائه قبل وقت حاجته، فيتقلص بذلك أثر توقعات معدل التضخم النقدي في قرار الشراء الاستباقي أي السابق على الحاجة الفعلية (131) .

كما ذكر بعض الباحثين (132) أن التسعير في عصرنا الحاضر يختلف عن التسعير في العصور السابقة، كما أنه يختلف أمره من بلد إلى بلد، ومن بضاعة إلى بضاعة أخرى، ويتبين ذلك مما يأتي:

أولًا: جرت بعض البلدان التي لها قوة مالية تغطي احتياجاتها أو تفوقها أنها لا تتدخل في التوريد؛ ذلك أن عملتها لها من الغطاء ما يضمن رواجها بقيمتها، وهذه الدول تبني اقتصادها على قاعدة العرض والطلب، فترفع الأثمان أو تنخفض تبعًا لهذه القاعدة، ولا يرى الحاكم أنه في حاجة إلى التدخل، وأن عدم تدخله يضمن تدفق السلع للأسواق والمزاحمة، خاصة وقد غدت وسائل النقل وإيصال السلع تشمل البر والبحر والجو، وأصبح التجار في هذه البلدان يعتمدون لتحقيق الأرباح على دوران رأس المال، وقلما يلجأون إلى الاحتكار.

ثانيًا: جرت بعض البلدان ذات الاقتصاد الضعيف أن تتدخل في الحركة الاقتصادية من عدة نواح:

(أ) لما كانت عملتها لا قيمة لها خارج حدودها، وهي غير ملزمة بمقايضتها لما كانت كذلك كان التوريد خاضعًا لتمكين المورد من العملة التي يقبلها البائع خارج الحدود الوطنية، وهذه العملة ليست من مجهود المورد ولكنها مجهود الأمة، وبهذا الاعتبار فالمورد يملك رأس مال ناقص تكمله له الدولة من ثروة الأمة، وتنظيم شؤون الدولة حصر قائمة الموردين حسب شروط وتنظيمات، وبهذا فإنه يحق للدولة أن تحدد سعر البيع كما تراقب سعر الشراء وهو ما نص عليه ابن القيم لما قال: أن يلزم - أي الحاكم - الناس أن لا يبيع الطعام أو غيره إلا ناس معروفون - إذا وقع هذا - فلا تباع تلك السلع إلا لهم، ثم يبيعونها هم بما يريدون، وهؤلاء يجب التسعير عليهم، وألا يبيعوا إلا بقيمة المثل، وألا يشتروا إلا بقيمة المثل، بلا تردد في ذلك عند أحد العلماء، لأنه إذا منع غيرهم من أن يبيع ذلك النوع أو يشتريه، فلو سوغ لهم أن يبيعوا بما شاءوا أو يشتروا بما شاءوا كان ذلك ظلمًا للناس.

(ب) إن الدولة تجد نفسها ملزمة لظروفها الاقتصادية والاجتماعية أن توقف غلاء المعيشة وتيسر على ذوي الدخل المحدود اقتناء بعض الضروريات بثمن أخفض من قيمتها الحقيقية، وتعوض ذلك من صندوق الخزينة الفارق بين القيمتين، وهنا لا بد لها من أن تحدد ثمن البيع، لأنها في حقيقة الأمر أسهمت في رأس المال، فهي شريكة، ومن يشاركها قد دخل على أنه لا يزيد على الثمن الذي حددته.

فيظهر أن تدخل الدولة في التسعير هو نتيجة ضعف في الاقتصاد الوطني، وأنه كلما كان الاقتصاد قويًّا كانت الدولة في غنى عن ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت