الصفحة 4 من 33

الذي عليه أكثر علماء المسلمين أن الأصل في التسعير هو التحريم، فقد نص على ذلك فقهاء الحنفية (10) ، والمالكية (11) ، والشافعية (12) ، والحنابلة (13) ، واستدلوا على ذلك بنصوص كثيرة من القرآن والسنة، بعضها عام، وبعضها خاص بقضية التسعير، كما استدلوا بأدلة عقلية، ومن أشهرها ما يلي:

أولًا: الأدلة العامة في اشتراط الرضا في العقود، ومن ذلك:

1 -قول الله تعالى:"إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ" (14) .

ووجه الدلالة من الآية: أن الله تعالى جعل التراضي شرطًا لإباحة التجارات، والتسعير يفوت ذلك، إذ إنه يتضمن إلزام أصحاب السلع والخدمات أن يبيعوا بما لا يرضون (15) .

2 -حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم:"إنما البيع عن تراض" (16) .

ووجه الدلالة في الحديث: أن فيه بيان شرط البيع وهو الرضا، والتسعير يتنافى مع هذا الشرط، إذ فيه إلزام وإجبار البائع على أن يبيع بسعر لا يرضاه.

3 -قول النبي - صلى الله عليه وسلم:"لا يحل لامرئ من مال أخيه شيء إلا بطيب نفس منه" (17) .

وجه الدلالة في الحديث: أن التسعير يتضمن أخذ الأموال من غير طيب نفس من أصحابها فتدخل في عموم ما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم (18) .

ثانيًا: الأدلة الخاصة في تحريم التسعير:

1 -حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: غلا السعر على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقالوا: يا رسول الله سعِّر لنا. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إن الله هو المُسَعِّر القابض الباسط الرزاق، وإني لأرجو أن ألقى ربي، وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال" (19) .

2 -حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رجلًا جاء، فقال: يا رسول الله سعِّر، فقال: (( بل أدعو ) )، ثم جاءه رجل، فقال: يا رسول الله سعِّر، فقال: (( بل الله يخفض ويرفع، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس لأحد عندي مظلمة ) ) (20) .

وجه الدلالة في الحديثين من وجهين:

أحدهما: أنه صلى الله عليه وسلم لم يسعر، وقد سألوه ذلك، ولو جاز لأجابهم إليه.

الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم علل بكونه مظلمة، والظلم حرام، ولأنه ماله فلم يجز منعه من بيعه بما تراضى عليه المتبايعان (21) .

ووجه الظلم في التسعير أن الناس مسلطون على أموالهم، والتسعير حجر عليهم، وإجبار لهم على ما لا يرضون، وهذا ظلم لهم (22) ، كما أن الإمام مأمور برعاية مصلحة المسلمين، وليس نظره في مصلحة المشتري برخص الثمن أولى من نظره في مصلحة البائع بتوفير الثمن (23) ، فمراعاة أحدهما ظلم للآخر.

ثالثًا: الدليل العقلي:

أن التسعير قد يفضي إلى اختلال قانون العرض والطلب، فيحصل بذلك خلل في الأنشطة الاقتصادية، ومن أبرز ذلك غلاء الأسعار وارتفاعها؛ لأن كثرة القيود على التجارة والاستثمار يؤدي غالبًا إلى صرف التجار والمستثمرين إلى أسواق أقل قيودًا، فيطلبون لسلعهم أسواقًا لا يكرهون فيها على البيع بغير ما يريدون، وهذا يؤدي إلى قلة العرض فيرتفع السعر، وكذلك قد يحمل التسعير أصحاب السلع والخدمات إلى أن يمتنعوا من بيعها، بل يكتمونها فيطلبها المستهلكون فلا يجدونها إلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت