اختلفوا في هذا الحل هل هو مطلق أو مقيد. وعليه فإن آراءهم وردت متباينة نظرا لاختلافهم في فهم معن المحصنات وهل هو الحرية أو العفة أو الاسلام؟ وما انبنى على ذلك من جواز النكاح من أهل الكتاب أو عدم الجواز؟ إضافة إلى ما فهمه بعضهم من معنى كلمة الشرك، وأنها تنطبق على كثير ممن يسمون بأهل الكتاب في زمن الرسالة إلى يومنا هذا، ونظرا لما لتوضيح هذه الأمور من أهمية في نتائج هذا البحث فلا بد لنا من التعرف على آراء العلماء في ذلك.
أولا: معنى الاحصان: قال البكري: امرأة حصان وحاصن أي عفيفة ومحصنة بكسر الصاد أحصنت فرجها وبالفتح أحصنها زوجها: وقال المقري: والمرأة محصنة بالفتح على غير قياس ومنه قوله تعالى:"والمحصنات من النساء"أي ويحرم عليكم المتزوجات وأما احصنت المرأة فرجها إذا عفت فهي محصنة بالفتح والكسر ومنه قوله تعالى:"والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم"والمراد الحرائر، وقال ثعلب: كل امرأة عفيفة فهي محصنة وكل امرأة تزوجت فهي محصنة بالفتح لا غير [1] وذكر ابن جزي أن الاحصان له أربعة معان: الاسلام والتزوج والعفة والحرية، فأما الاسلام فلا يصح هنا لقوله من الذين أوتوا الكتاب، وأما التزوج فلا يصح هنا لقوله من الذين أوتوا الكتاب، واما التزوج فلا يصح أيضا لأن ذات الزوج لا تحل لغيره، ويحتمل هنا العفة والحرية، فمن حمله على العفة اجاز نكاح المرأة الكتابية سواء كانت حرة أم امة، ومن حملة على الحرية اجاز نكاح الكتابية الحرة ومنع الأمة وهو مذهب مالك [2] .
وقال ابو بكر الجصاص: اختلف في المراد بالمحصنات ها هنا فروي عن الحسن والشعبي وإبراهيم والسدي أنهن العفائف، وروى عن عمر ما يدل على أن المعنى عنده ذلك وهو ما حدثنا جعفر عن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر عن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا محمد بن زيد عن الصلت بن بهرام عن شفيق بن سلمة قال: تزوج حذيفة بيهودية فكتب إليه عمر أن خل سبيلها، فكتب إليه حذيفة: أحرام هي؟ وكتب إليه عمر: لا، ولكنني اخاف أن تواقعوا المومسات منهن، قال أبو عبيد يعني العواهر، فهذا يدل على أن معنى الاحصان عنده ههنا كان على العفة، وقال مطرف عن الشعبي: إحصان اليهودية والنصرانية تغتسل من الجنابة وأن تحصن فرجها.
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أن الاحصان بمعنى الحرائر [3] . ونقل ابن قيم الجوزية عن القاضي إسماعيل قوله: يقع الاحصان على العفة ويقع على الحرية، وإنما أريد بهذا الموضع الحرية، ثم قال: وصح عن مجاهد (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) قال: هن العفيفات، قالوا: لو طولبتم بموضع واحد من القرآن أريد بالاحصان فيه الحرية لا يصلح لغيرها لم تجدوا إليه سبيلا، والذي اطرد مجيئ القرآن به بهذه اللفظة شيئان: العفة والتزويج، أما الاسلام والحرية فلم يتعين إرادة واحد منهما باللفظ، وقولكم إنه لو أريد به العفة لما جاز التزوج بالكتابية ولا بالمسلمة إلا بعد ثبوت عفتها، وهذا هو الذي دل عليه الكتاب والسنة في غير موضع، والناس إذا إجتهدوا في تعيير الرجل قالوا: زوج بغي، ومثل هذا فطرة فطر الله عليها الخلق ولا تأتي شريعة بإباحته، والبغي خبيثة والله سبحانه وتعالة حرم الخبائث من المناكح كما حرمها من المطاعم [4] . والذي أميل إليه وأرجحة هو تفسير المحصنات بالعفيفات وذلك للأمور التالية:
(1) العكبري، عبد الله بن حسين، ج 1، ص 196. المقري أحمد بن محمد، ص 54. الرازي، محمد بن أبي بكر، ص 140.
(2) ابن جزي محمد بن أحمد، التسهيل لعلوم التنزيل، دار الفكر، بلا. ت، ج 1، ص (169 - 170) . ابن عطية، ج 5، ص (39 - 40) .
(3) الجصاص، أحمد بن علي، ج 2، ص 397. الطبري، ج 6، ص (67 - 69) . حيث قال: وأولى الأقوال عندنا بالصواب قول من قال: عني بقوله: (والمحصنات من المؤمنا ... ) ، حرائر المؤمنين وأهل الكتاب.
(4) ابن قيم الجوزية، ج 2، ص (425 - 427) بتصرف.