على ذلك بقوله تعالى:"قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتي يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" [1] قال الحكم: حدثت بذلك إبراهيم فأعجبه [2] .
وقد رجح هذا الرأي ومال إليه الجصاص رحمه الله حيث قال: ومما به لقول ابن عباس قوله تعالى:"لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله" [3] والنكاح يوجب المودة بقوله تعالى:"خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة" [4] فينبغي أن يكون نكاح الحربيات محظورا، وهذا ما ذهبت إليه الأباضية من الخوارج حيث أورد مفسرهم قول ابن عباس ثم قال وهذا مذهبنا [5] .
رابعا: ما ذهب إليه الأئمة الأربعة من الكراهة من تزوج الكتابيات وأنه خلاف الأولى، مع صرف هذه الكراهة الى التنزيه دون التحريم، إلا ما ذكره ابن عابدين من الأحناف بأن كراهة تزوج الحربية من أهل الكتاب إنما هي تحريمية، وعللوا ذلك بكونه فتحا لباب الفتنة الحاصلة من إمكان التعلق المستدعي الاقامة في دار الحرب، وتعرض الولد للتخلق بأخلاق أهل الكفر إضافة إلى ما فيه من إلحاق الضرر بالمسلمات، بينما عللت الكراهة التنزيهية بكون نساء اهل الكتاب يأكلن الخنزير ويشربن الخمر ويذهبن الى الكنائس - وليس للزوج منعهن من ذلك - ثم يضاجعها الرجل ويقبلها وهي على تلك الحال، وربما تلد له وترضع وتطعم ولده الحرام وتسقيه الخمر، وتربيه على دينها، وتدس له في قلبه ما يتمكن منه دون مبالاة بإطلاع أبيه، كما يمكن لها أن تموت وهي حامل فتدفن في مقبرة الكفار وهي حفرة من حفر النار [6] .
والجميع متفقون على أن كراهة الزواج من الحربية أشد من كراهة الزواج بالذمية ذات العهد.
لا بد لنا بعد هذا البحث والدراسة ان نضع النقاط على الحروف حول هذا الموضوع الذي تجهمنا من أجله عناء التقصي والاستقراء في بطون الكتب قديمها وحديثها خاصة وأن الأمر ليس مجرد نزوة عابرة أو ضربة طائشة بل هو تقرير مصير وحياة أمة، يعود عليها بالخير أو الويل، فإلى أي مدى يمكن لنا أن نسمح بالزواج من نساء أهل الكتاب ونحن نعيش واقعنا المعاصر؟ وإن الاجابة عن هذا التساؤل لمن ضرورات الأحكام التي يجب أن يوضحها العلماء، ويعمل على تطبيقها الأمراء، فقد ذكرنا سابقا آراء جمهور الفقهاء في جواز الزواج من نساء أهل الكتاب، ولكن ذلك كان في زمان يختلف عن زماننا ورجال يختلفون عن رجالنا من حيث الالتزام والتقيد بأحكام الشريعة وطلب مرضاة الله، و لا أحد يستطيع الانكار بأن الرجال قد فقدوا القوامة إلا من رحمة الله، وأن الأمة قد ابتعدت عن أحكام الكتاب والسنة، وأن اليهود والنصارى لم يعودوا في ديار الاسلام أهل ذمة
(1) التوبة: 29.
(2) الطبري، محمد بن جرير، ج 4، ص 69. ابن العربي محمد، ج 1، ص 299.
(3) المجادلة: 22.
(4) الروم: 21.
(5) الجصاص، ج 2، ص 339. والوهبي محمد بن يوسف الأباضي، هيمان الزاد الى دار المعاد، سلطنة عمان وزارة التراث القومي والثقافة، 1986، ج 5، ص 326.
(6) مالك بن أنس، المدونة الكبرى، بيروت، دار صادر، بلا. ت، ج 2، ص 306 - 307. المطيعي، ج 15، ص 122. ابن عابدين، ج 2، ص 397. ابن مفلح، ج 7، ص 71. الكتاني جعفر بن ادريس، احكام أهل الذمة، عمان، دار البيارق، طبعة أولى، 2000، ص (85 - 86) .