وعهد يدفعون الجزية، بل هم سادة وقادة ونواب ووزراء، وأن الدول التي تدين بالنصرانية أو اليهودية هي التي تتحكم في مقدرات وخيرات الأمة الاسلامية، وتفرض عليها ما تشاء من العقوبات وتحلل ما تشاء أو تحرم ما تشاء.
إضافة إلى أن المرأة الكتابية في هذه الدول تشعر بالاستعلاء والعنجهية على أي رجل مسلم من هذه الدول التي تفرش بساط الذل والخضوع والخنوع لدولتها نصرانية كانت أو يهودية، فهل يمكن لزواج من هذا النوع أن يحقق مصالح الأمة وحكم الزواج المرجوة منه؟ وهل يمكن أن يكون هذا الزواج طريقا من طرق الدعوة، وبابا من أبواب الغزو الثقافي والحضاري الذي بإمكانه قلب معايير الأمور لصالح الاسلام والمسلمين؟
فليت الذين يتسابقون في التزوج بالأجنبيات من أهل الكتاب يتدبرون تلك المعاني التي من أجلها منع الفاروق بعض الصحابة من الأبقاء على زواجهن وحكم أكثر الفقهاء عليه بالكراهة، ليتهم يفكرون بعقولهم ولا يسيرون وراء هذا السراب الخادع ولا يغرنهم إسلام هؤلاء بعد الزواج أو قبله، فإنه إسلام ظاهري لغرض، ولا أدل على ذلك من أغلب هؤلاء حتى بعد إسلامهن الصوري يطبعهن بيوتهن بطابع غير إسلامي مما لا يخفى على أحد [1] .
وعليه فإنني أرى أن الزواج بنساء أهل الكتاب في وقتنا الحاضر إنما هو مكروه كراهة تحريمية، أي أنه للحرام أقرب منه للحلال، إلا في حالة الضرورة لأن المحبة الصادقة والتعاون الوثيق والأمن على دين الولد لا تتم إلا بإتحاد الزوجين في الدين، وخاصة في هذا الزمن الذي قوي فيه سلطان النساء على الرجال، ولأن يعول المسلم بماله مسلمة خير من أن يعول غيرها [2] .
هذا ويمكن دعم ما ذهبت إليه بالؤيدات و الإعتبارات التالية:
أولا - إن هذا الزواج من الكتابيات محدد بمن كان لهم ذمة و عهد، ومعلوم أن أهل الكتاب اليوم لا ذمة لهم ولا عهد ولا يدفعون جزية ولا يلتزمون بشيء من الأوامر الشرعية التي يوجبها عليهم عهد الذمة، ليكون لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، وقد أفتى شيوخ المغرب وعلماؤه أيام بني مرين بأن لا ذمة لليهود [3] وهذا في أيام قوة الدولة الاسلامية فما بالك في أيامنا هذه وقد ضعفت الدولة وتفتت أشلاء ممزقة، وإذا كانوا كذلك أي بلا ذمة ولا عهد أو نقضوا العهد فإن حكمهم حكم الحربيين في بلاد الحرب حيث تكون أموالهم وذراريهم مستباحة للمسلمين.
ثانيا: إن أهل الكتاب الموجودين اليوم ليسوا من سلالة بني اسرائيل وغالبهم دان بهذه الملة بعد التحريف، وإن كثيرا منهم لا يلتزم باليهودية ولا النصرانية المحرفة، ففي استطلاع للرأي نشرته صحيفة الرأي نقلا عن صحيفة يدعوت أحرونوت الصهيونية، ذكرت فيه أن معهد سميث للاستشارات والأبحاث أجرى استطلاعا للرأي العام اتضح من خلاله أن 52% من الاسرائيليين يعتبرون أنفسهم علمانيين [4] ، فإذا كان هذا الوضع مع اليهود الذين يعتبرون من أشد شعوب العالم تعصبا وتمسكا بمعتقداتهم فما بالك بالنصارى.
(1) شلبي، محمد مصطفى، ص 229.
(2) البكري، محمد عزمي، موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية، القاهرة، دار محمود للنشر والتوزيع، طبعة 5، 1996، ص 238. وقد طلبت من دائرة قاضي القضاة بكتاب رسمي من جامعة فيلادلفيا تزويدي بإحصائيات تخدم هذا الموضوع إلا أنني لم أتلق جوابا إلى يومي هذا كما أنني لم أجد ضالتي في دائرة الاحصاءات العامة.
(3) الونشريسي، احمد بن يحيى، المعيار المعرب، المغرب، وزارة الأوقاف، 1981، ج 2، ص (249 - 250) بتصرف.
(4) صحيفة الرأي الصادرة بتاريخ 24/ 9/1995 م الصفحة الخامسة والثلاثون.