المطلب الأول: تحديد مفهوم مصطلح أهل الذمة
الذمة في اللغة: مأخوذة الذمام وهي الحرمة، أو ما يذم به الرجل على اضاعته من العهد، وتفسر الذمة بالعهد وبالأمان وبالضمان، قال أبو عبيد: الذمة الأمان في قوله عليه السلام"ويسعى بذمتهم أدناهم"وسمي المعاهد ذميا بنسبته الى الذمة [1] . ولا شك في أن المعنى الشرعي للذمة له علاقة وثيقة بالمعنى اللغوي، حيث ان إخلاف الوعد وعدم الضمان إنما هي من الأمور التي يذم بها الرجل.
أما الذمة في الاصطلاح: فقد عرفها بعض العلماء بانها وصف يصير به الانسان أهلا لما له ولما عليه، كما اذا عاهدنا الكفار وأعطيناهم الذمة ثبت لهم وعليهم حقوق المسلمين في الدنيا، وهذا هو العهد الذي جرى بين الله تعالى وعباده يوم الميثاق [2] . وقد تعرض الأستاذ مصطفى الزرقا الى معنى الذمة عند الفقهاء والأصوليين ونقد كثيرا من التعاريف الواردة في كتبهم وخلص الى تعريفها بقوله: هي محل اعتباري في الشخص تشغله الحقوق التي تتحقق عليه [3] .
وجاء في دائرة المعارف الاسلامية أن الذمة هي العهد الذي يعطى للقوم الذين يدخلون في الاسلام عند فتح المسلمين لبلادهم ولا يسترقون ويؤمنون على حياتهم وحريتهم ثم على أموالهم، ومن ثم يسمون أهل الذمة أو الذمة أو الذميين شريطة أن يبذلوا الجزية ويلتزموا أحكام الملة [4] .
وأما أهل الكتاب فهو اللفظ أو الوصف الذي ذكره القرآن وجاء في السنة النبوية الشريفة دالا على اليهود والنصارى تمييزا لهم عن عبدة الأوثان، وذلك لأن لهم كتبا منزلة هي التوراة والزبور والانجيل، وهم وإن كانوا يتناقلونها مبدلة عن أصولها إلا أن اعترافهم بها يجعل لهم مكانا ممتازا بالنسبة لعبدة الأوثان [5] .
وقد أستنبط الفقهاء في هذا المقام مسألة جعلوها محل النظر والاجتهاد وهي: هل العبرة في حل طعام أهل الكتاب والتزوج منهم بمن كانوا يدينون بالكتاب (كالتوراة والانجيل) كيفما كان كتابهم وكانت أحوالهم وأنسابهم أم العبرة باتباع الكتاب قبل التحريف والتبديل وبأهله الأصليين كالاسرائيليين من اليهود [6] ؟
وتدلل أقوال الفقهاء التي سنذكرها على ما ذكرنا مع زيادة في بعض التفريعات التي سنشير اليها في موضعها ان شاء الله.
يقول ابن قدامه المقدسي: وأهل الكتاب الذين هذا حكمهم هم أهل التوراة والانجيل، قال تعالى:"أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا" [7] . فأهل التوراة اليهود والسامرة وأهل الانجيل النصارى ومن وافقهم في أصل دينهم من الافرنج والأرمن وغيرهم [8] .
(1) الرازي، محمد بن أبي بكر، مختار الصحاح، (بلا. ت) ، ص 223. المقرئ أحمد بن محمد الفيومي، المصباح المنير، مكتبة لبنان، 1987، ص 80. الزمخشري، محمود بن عمر، الفائق في غريب الحديث، بيروت، دار الكتب العلمية، طبعة أولى، 1996، ج 1، ص 404،
الزرقاء مصطفى أحمد، المدخل الفقهي العام، دار الفكر، طبعة أولى، 1946، ج 3، ص 181.
(2) التهانوي، محمد أعلى بن علي، موسوعة الاصطلاحات الاسلامية، بلا. ت، ج 2، ص 516.
(3) الزرقا، مصطفى، ج 3، ص 190.
(4) الشنتناوي ورفاقه، دائرة المعارف الاسلامية، بلا. ت، ج 9، ص (290 - 291) . وأنظر الرحيباني، مصطفى، مطالب أولي النهى، بلا. ت ج 2، ص 591. والبهوتي، منصور، كشاف القناع، بلا. ت، ج 3، ص 92.
(5) الشنتناوي ورفاقه، ج 3، ص (106 - 107) .
(6) رضا، محمد رشيد، تفسير المنار، بلا. ت، ج 6، ص 179.
(7) الأنعام: 156.
(8) ابن قدامة، المغني، مكتبة الرياض الحديثة، 1981، ج 6، ص 590، ابن مفلح، ابراهيم، المبدع في شرح المقنع بيروت، المكتب الاسلامي، 1982، ج 7، ص 71.