الصفحة 8 من 24

نقضوا العهد ونصروا أولادهم، وقال: إنهم لم يتمسكوا من دينهم إلا بشرب الخمرة ولأنه يحتمل أنهم دخلوا في النصرانية بعد التبديل، فلذلك لا تحل نساؤهم ولا ذبائحهم [1] .

وثانيهما: ما روى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: نصارى العرب! قال: لا ينكح المسلمون نساءهم ولا تؤكل ذبائحهم [2] .

بينما ذهب ابن عباس والشعبي والزهري وأحمد في الصحيح والنووي وغيرهم إلى أنهم من أهل الكتاب يحل للمسلمين أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم [3] .

المطلب الثالث: الحكمة من جواز الزواج بالكتابيات

بنى الله عز وجل الزواج على قاعدتي المودة والرحمة، والتي ذكر فيهما المفسرون أقوالا كثيرة لا تخرج بمجموعها عن تحقيق المصلحة المقصودة من الزواج، وعدم التفريط في هذا العقد والميثاق الغليظ الذي ارتبط به الزوجان، وقد حدد الشارع الكريم النساء اللواتي يمكن معهن للرجل المسلم أن يحقق ما ذكرناه، فما من خلاف في أن المرأة المسلمة ذات الدين، هي أعلى أولئك النسوة اللواتي بمقدورهن المحافظة على سلامة الأسرة والعناية بها، وبما ينشأ عنها من الذرية والأموال والقرابة والتواصل والمصاهرة وغير ذلك، مما هو معلوم ومفهوم من حرصه صلى الله عليه وسلم في الدعوة الى اختيار ذات الدين:"فأظفر بذات الدين تربت يداك" [4] .

ومن هنا فإن الأصل أن لا يجوز للمسلم نكاح الكافرة لأن الزواج بالكافرة والمخالطة معها مع قيام العداوة الدينية لا يحصل السكن والمودة الذي هو قوام مقاصد النكاح [5] .

ولأن المرأة إن كانت ضعيفة الدين في صيانة نفسها وفرجها، أزرت بزوجها وسودت بين الناس وجهه فإن سلك سبيل الحمية والغيرة لم يزل في بلاء ومحنة، وإن سلك سبيل التساهل كان متهاونا بدينه وعرضه ومنسوبا الى قلة الحمية والأنفة، وإذا كانت مع الفساد جميلة كان بلاؤها أشد، إذ يشق على الزوج مفارقتها فلا يصبر عنها ولا يصبر عليها [6] .

هذا شأن قليلة الدين فما بالك بالكافرة التي تستهجن ما نفعله وتستقبح ما نستحسنه، فلا دين لها ترعاه ولا إيمان لها يأمرها بمعروف أو ينهاها عن منكر، فهي بلا وازع ولا رادع، لا يضبط تصرفها شرع، ولا يقف في تعاملها عند حد، فتفسد على الرجل عيشه وسكنه وماله ورحمه، وتوجه الولد الى كل قبيح مرفوض إرضاء لغيها وجلبا للولد الى صفها، فإن تكلم الزوج لطم وإن سكت أثم، ولا يمكن تصور الحياة الهادئة الهادفة في ظل ما يتمسك به كل من الطرفين وهما على طرفي نقيض، فهو يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشره، وهي تعبد غير ذلك من الكواكب أو الأجرام السماوية التي لا تضر ولا تنفع، فإن

(1) أبو عبيد، ص 35. ابن قدامة، ج 8، ص 517. ابن قيم الجوزية ج 1، ص 79 - 87.

(2) الصنعاني، الحديثان رقم 10023، 10056. قلعة جي محمد رواس، موسوعة فقه علي بن أبي طالب، دمشق، 1983، ص 598.

(3) الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان، بيروت، دار الفكر،1978، ج 6، ص 65. الجصاص، ج 2، ص 400. ابن العربي محمد عبد الله، الأحكام الصغرى، الدار البيضاء بلا. ت، ج 1، ص 298. ابن قدامة، ج 8، ص 517. الصنعاني، الأحاديث رقم (10040، 10038،10043) .

(4) حديث متفق عليه. رواه البخاري في كتاب النكاح ورواه مسلم في كتاب الرضاع.

(5) الكاساني، ج 3، ص 1414.

(6) الغزالي، محمد بن محمد، إحياء علوم الدين، بيروت، دار المعرفة، بلا. ت، ج 2، ص 37.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت