وزعمت دائرة المعارف الاسلامية بأن الاسلام قد وسع من أول الأمر مدلول لفظ أهل الكتاب فجعله أكثر شمولا من مدلوله الأول، واعتمد المسلمون على القصة التي تقول: إن محمدا أخذ الجزية عن مجوس هجر (البحرين) فقالوا: إن المجوس يدخلون في أهل الكتاب، وأفلح وثنيو حران أيام المأمون في إقناع المسلمين بانهم الصائبة الذين ورد ذكرهم كثيرا في القرآن بين الأمم المؤمنة، وأن لهم كتبا منزلة جاءهم بها أنبياء خلوا من قبل، وفي القرن الرابع عشر الميلادي أباح أحد أمراء المسلمين في الهند للصينيين أن يكون لهم بيت يعبدون فيه الأصنام في أرض المسلمين مقابل دفعهم للجزية، وما كان مثل هذا التوسع ليتم إلا بإزدياد التسامح الديني، أما المسألتان اللتان أشرنا إليهما من قبل، وهما المتعلقتان بطعام أهل الكتاب والزواج منهم فلم تكونا موضع بحث قط بالنسبة لغير أهل الكتاب الحقيقيين [1] .
وليس غريبا أن نجد مثل هذا في دائرة المعارف الاسلامية، ولكن الأغرب هو ما ذهب إليه صاحب تفسير المنار الذي توسع في مفهوم أهل الكتاب توسعا لم يقل به أحد من السلف الصالح، فقد ذكر ملخصا لفتوى مفادها أن المشركات اللاتي حرم الله نكاحهن في آية البقرة هن مشركات العرب، وهو المختار الذي رجحه شيخ المفسرين ابن جرير الطبري، وأن المجوس والصابئين ووثني الهند والصين وأمثالهم كاليابانيين أهل كتب مشتملة على التوحيد الآن، والظاهر من التاريخ ومن بيان القرآن أن جميع الأمم بعث فيها رسل، وأن كتبهم سماوية طرأ عليها التحريف كما طرأ على كتب اليهود والنصارى التي هي احدث عهدا في التاريخ، وإن المختار عندنا أن الأصل في النكاح الاباحة [2] .
لذلك ورد النص بمحرمات النكاح، وأن قوله تعالى بعد بيان محرمات النكاح:"وأحل لكم ما وراء ذلك" [3] يفيد حل نكاح نسائهم، فليس لأحد أن يحرمه إلا بنص ناسخ للآية أو مخصص لعمومها، وقد بينا في تفسير الآية التي نحن بصدد تفسيرها هنا، أن الناس أخذوا بمفهوم اهل الكتاب وخصصوا أهل الكتاب باليهود والنصارى، وهذا مفهوم مخالفة منع الجمهور الاحتجاج به في اللقب، ولكن جرى العمل على هذا لأنه موافق للشعور الذي غلب على المسلمين في أول نشأتهم بعزة الاسلام وغلبته وظهور انحطاط جميع المخالفين له عن أهله، ولهذا مال بعض المؤلفين الى تحريم نكاح الكتابيات، المنصوص على حله في آخر سور القرآن نزولا، فمنهم من تأول النص بأن معنى (أوتوا الكتاب من قبلكم) عملوا به قبل الاسلام أو دانوا به قبل التحريف، وهو تأويل ظاهر الفساد لا يصح لغة، فإن معنى أوتوه من قبلنا أعطوا أي أنزله الله عليهم، والمفسرون متفقون على هذا المعنى في كل مكان ورد فيه هذا اللفظ [4] .
(1) الشنتناوي ورفقاه، ج 3، ص (108 - 109) .
(2) هذا مخالف لجمهور الفقهاء الذين يرون أن الأصل في الأشياء الاباحة إلا الفروج فإن الأصل فيها التحريم والرأي الذي ذهب إليه السيد محمد رشيد رضا معارض بأفعال الرسول عليه الصلاة والسلام وصحابته الكرام مع الأمم التي لم تكن تدين باليهودية أو النصرانية. إبن قدامة، ج 6، ص 592.
(3) النساء: 24.
(4) رضا، محمد رشيد، ج 6، ص 194. بحث الزحيلي محمد مصطفى، الاسلام والذمة، المجمع الملكي لبحوث الحضارة الاسلامية، 1989، الجزء الأول، ص (129 - 133) .