ويقيد صاحب المجموع أهل الكتاب باليهود والنصارى ومن دخل في دينهم قبل التبديل فيقول: ومن دخل في دين اليهود والنصارى بعد التبديل لا يجوز للمسلم ان ينكح حرائرهم و لا أن يطأ أماءهم بملك اليمين لأنهم دخلوا في دين باطل فهم كمن ارتد من المسلمين ومن دخل منهم ولا يعلم انهم دخلوا قبل التبديل أو بعده كنصارى العرب وهم تنوخ وبنو تغلب وبهراء لم يحل نكاح حرائرهم ولا وطء إمائهم بملك اليمين لأن الأصل في الفروج الحظر فلا تستباح مع الشك [1] .
كما أشار الى هذا القيد صاحب البحر الزخار حيث قال: ومن أجاز نكاح الكتابية فإنما أراد إذا انتسبت إلى إسرائيل ولم تبدل ولم تفعل ما يخرم الذمة [2] .
ولم يكن المحدثون أقل تعمقا في هذا الأمر ولا أقل تشددا فيه من الفقهاء، فقد جاء في شرح السنة ما نصه: فأما اليهود والنصارى فمن كان منهم من نسل بني اسرائيل فأجمعوا على حل مناكحتهم وذبائحهم لقول الله عز وجل:"وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم" [3] فأما من دخل في دينهم من غيرهم من المشركين، نظر إن دخلوا فيه قبل النسخ وقبل التبديل يقرون بالجزية، وفي حل مناكحتهم وذبائحهم اختلاف فأصح الأقوال حلها، وإن دخلوا فيه بعد النسخ أو بعد التبديل فلا يقرون بالجزية ولا تحل مناكحتهم وذبائحهم، ومن شككنا في أمرهم أنهم دخلوا فيه بعد النسخ أو بعد التبديل أو قبله تؤخذ منهم الجزية ولا تحل مناكحتهم ولا ذبائحهم [4] .
ويظهر أن هذا التفصيل هو ما كانت عليه الفتيا عند العلماء من السلف الصالح، فقد ورد في فتاوي شيخ الاسلام أبي يحيى زكريا بن محمد الأنصاري المتوفى سنة 926 هـ، أنه سئل عن رجل أراد أن يتزوج امرأة نصرانية لم تعلم هي ولا أحد من أهل دينها أن آباءها دخلوا في دينها قبل النسخ والتبديل أو بعدهما، فهل يحل له ذلك أو لا؟ واذا قلتم بهذا فتزوجها ودخل بها فهل يلزمه الحد أو لا؟ فأجاب: بأنه لا يحل له أن يتزوجها والحالة هذه ما لم تكن اسرائيلية، فإن تزوجها ودخل بها عالما بالتحريم لزمه الحد والله أعلم [5] .
وقد اختلفت كلمة الفقهاء كذلك فيمن كان يؤمن بغير التوراة أو الانجيل، كالذين يؤمنون بزبور داود وصحف ابراهيم وشيت، فذهب الأحناف الى اعتبارهم أهل كتاب تحل نساؤهم كما أشار الى ذلك ابن الهمام وابن عابدين وغيرهم [6] .
بينما ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن أولئك ليسوا بأهل كتاب على الصحيح فلا تحل نساؤهم ولا ذبائحهم وقد، عللوا ذلك بعلتين إحداهما: أن تلك الكتب ليس فيها أحكام وإنما هي مواعظ فلم تثبت لها حرمة، والثانية: أنها ليست من كلام الله سبحانه وتعالى وإنما كانت وحيا منه وقد يوحى ما ليس بقرآن كما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"أتاني جبريل يأمرني أن أجهر ببسم الله الرحمن الرحيم"ولم يكن ذلك قرآنا وكلاما من الله تعالى، هكذا ذكره الشيخ أبو حامد وأفاده العمراني [7] .
(1) المطيعي، محمد، تكملة المجموع، جدة، مكتبة الارشاد، بلا. ت، ج 15، ص 122.
(2) المرتضى، أحمد بن يحيى، البحر الزخار، القاهرة، دار الكتاب الاسلامي، بلا. ت، ج 4، ص 40.
(3) المائدة: 5.
(4) البغوي، الحسين بن مسعود، شرح السنة، ج 11، ص 170 - 171. وأنظر ابن عطية عبد الحق، المحرر الوجيز، مطبعة فضاله، 1979، ج 5، ص 39.
(5) الأنصاري، زكريا بن محمد، الفتاوي، بلا. ت، ص 276.
(6) ابن الهمام، محمد، شرح فتح القدير، بلا. ت، ج 2، ص 372. وابن عابدين، حاشية ابن عابدين، مطبع عثمان دار سعادت، 1324، ج 2، ص 398.
(7) ابن قدامة، ج 6، ص 591. وابن مفلح، ج 7، ص 71.
والمطيعي، ج 15، ص 124.