لابد من الاشارة هنا وقبل البدء في الحديث عن كل فرقة من هذه الفرق أن نشير إلى أن خلاف العلماء فيهم راجع إلى كونهم يوافقون اليهود أو النصارى في أصول دينهم أولا سواء اتفقوا معهم في الفروع أم اختلفوا، فمن قال بموافقتهم لليهود أو النصارى في الأصول اعتبرهم من أهل الكتاب وأجرى عليهم حكمهم في النكاح والذبائح، ومن قال بخلاف ذلك اعتبرهم من المشركين الذين لا تسري عليهم أحكام أهل الكتاب إلا ما كان مستثنى بنص صريح.
يقال لهم الدين الأكبر والملة العظمى، إذ كانت ملوك العجم كلها على ملة إبراهيم، وجميع من كان في زمان كل واحد منهم من الرعايا في البلاد على أديان ملوكهم، وكان لملوكهم مرجع هو موبذ موبذان أعلم العلماء وأقدم الحكماء يصدرون عن أمره ولا يرجعون إلا إلى رأيه، ومسائل المجوس كلها تدور على قاعدتين، إحداهما: سبب امتزاج النور بالظلمة، والثانية: سبب خلاص النور من الظلمة، وجعلوا الامتزاج مبدأ والخلاص معادا [1] .
ويرى ابن حزم بأن الخرم في شريعتهم إنما دخل إليها بإحراق الاسكندر لكتابهم [2] .
وذكر الرازي أن جميع المجوس متفقون على أن الله تعالى حارب مع الشيطان ألوف سنين، ولما طال الأمر توسطت الملائكة بينه وبين الشيطان على أن الله تعالى يسلم العالم إلى الشيطان سبعة آلاف سنة يحكم ويفعل ما يريد، وبعد ذلك عهد أن يقتل الشيطان، ثم أخذت الملائكة سيفهما منهما وقرروا بينهما أن من خالف منهما ذلك العهد قتل بسيفه [3] .
وقد اختلف الفقهاء في المجوس على رأيين، أولهما: قول جل السلف وأكثر العلماء أنهم ليسوا أهل كتاب مستدلين على ذلك بعدة أمور [4] . ثانيهما: ما ذهب إليه أبو ثور وابن حزم والشوكاني ومحمد رشيد رضا وغيرهم من كون المجوس من أهل الكتاب [5] .
وقد فند العلماء حجة من قال بأنهم من أهل الكتاب بما لا مجال لذكره هنا [6] . وقد جاء في كنز العمال عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب الى حذيفة بن اليمان وهو بالكوفة ونكح امرأة من أهل الكتاب، أن فارقها فإنك بأرض المجوس فإني أخشى أن يقول الجاهل: تزوج صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم كافرة، ويحلل الرخصة التي كانت من الله عز وجل فيتزوجوا نساء المجوس ففارقها [7] ،ولهذا أنكر
(1) الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم، الملل والنحل، المطبوع على هامش كتاب الفصل في الملل والنحل، بلا. ت، ج 2، ص 7073.
(2) ابن حزم علي بن أحمد، الفصل في الملل والنحل، بيروت، طبعة ثانية، 1975، ج 1، ص 113.
(3) الرازي، محمد بن عمر، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، بيروت، دار الكتب العلمية، 1982، ص (86 - 87) .
(4) الجصاص، احمد بن علي، احكام القرآن، مصر، المطبعة البهية، 1347 هـ، ج 2، ص 400، وابن قيم الجوزية أحكام أهل الذمة، جامعة دمشق، 1991 ج 1، ص 1. المرتضى، أحمد، ج 4، ص 41. الزحيلي مهبه، الزواج و الطلاق، طرابلس، كلية الدعوة الاسلامية، بلا. ت، ج 2، ص 75. والمطيعي، ج 18، ص 208.
(5) ابن حزم، المحلا، دار الفكر، بلا. ت، ج 9، ص 448.
ابن قيم الجوزية، ج 1، ص 2. وجبر سعدي حسين، فقه الامام ابي ثور، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1983، ص 469. الشوكاني، محمد بن علي، السيل الجرار، دار الكتب العلمية، 1982، ج 2، ص 254.
والشوكاني، نيل الأوطار، مصر، مطبعة البابي الحلبي، 1961، ج 8، ص 59 - 60.
(6) ابن قدامة، ج 6، ص 591 - 592. ابن الهمام، ج 2، ص 373.
(7) الهندي، علاء الدين، كنز العمال، مؤسسة الرسالة، 1993، ج 6، ص 548. حديث رقم 45844.