سكت الرجل على ذلك كان تهاونا في دينه وقبولا للمنكر في بيته وهو صاحب القوامة والراعي المسؤول عن رعيته، وان استهواه جمال المرأة ولين طباعها ضيع دينه أو اوشك على ذلك وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:"أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه" [1] وقد يدعي مدع: أن هذه الأمور سوف لا تقع وأن الرجل لن يستسلم لمثل ذلك، إلا أنه لما كان السر في نكاح المشركات في الأصل ما يخشى من الفتنة، وكانت الفتنة وإن علا الدين ورسخ الايمان واليقين لم تنزل عن درجة الامكان [2] .
فقد بقى الحكم على التحريم امتثالا لأمره تعالى:"ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم" [3] وقد وضح هذا المعنى الشيخ محمد رشيد رضا في تفسيره حين قال: ليس المراد بالزوجية قضاء الشهوة الحسية فقط، وإنما المراد بها تعاقد الزوجين على المشاركة في شؤون الحياة والاتحاد في كل شيئ، وإنما يكون ذلك بكون المرأة محل ثقة الرجل يأمنها على نفسه وولده ومتاعه، عالما أن حرصها على ذلك كحرصه، لأن حظها منه كحظه، وما كان الجمال الذي يروق الطرف ليحقق في المرأة هذا الوصف، ولكن قد يمنعه التباين في الاعتقاد الذي يتعذر معه الركون والاتحاد، والمشركة ليس لها دين يحرم الخيانة ويوجب عليها الأمانة ويأمرها بالخير وينهاها عن الشر، فهي موكلة الى طبيعتها وما ترتب عليه في عشيرتها، وهو خرافات الوثنية وأوهامها وأماني الشيطان وأحلامها، فقد تخون زوجها وتفسد عقيدة ولدها، فإن ظل الرجل على إعجابه بجمالها كان ذلك عونا لها على التوغل في ضلالها وإضلالها [4] .
أما الكتابية فليس بينها وبين المؤمن كبير مباينة، فإنها تؤمن بالله وتعبده وتؤمن بالأنبياء، وبالحياة الأخرى وما فيها من الجزاء وتدين بوجوب عمل الخير وتحريم الشر، فأجاز إليه نكاحها رجاء إسلامها، لأنها آمنت بكتب الأنبياء والرسل في الجملة، وإنما نقضت الجملة بالتفصيل بناء على أنها اخبرت عن الأمر على خلاف حقيقته، فالظاهر انها متى نبهت على حقيقة الأمر تنبهت وتأتى بالايمان على التفصيل، على حسب ما كانت أتت به على الجملة، هذا هو الظاهر من حال التي بنى أمرها على الدليل دون الهوى، والطبع والزوج يدعوها إلى الاسلام وينبهها على حقيقة الأمر رجاء اسلامها ووصولها إلى هذه العاقبة الحميدة [5] .
وفي الجملة فإن إباحة الاسلام الزواج من الكتابيات يشتمل على حكم عدة يمكن تلخيصها بما يلي [6] .
أولا: إن في ذلك إزالة للحواجز وتقريبا للمسافة بين أهل الكتاب وبين الاسلام والمسلمين.
ثانيا: إن الزواج بالكتابيات نافذة يطل منها اليهود والنصارى على سماحة الاسلام وحسن رعايته للزوجات، يمكن من خلالها الدخول في الاسلام.
ثالثا: ايجاد الألفة والمحبة بين الطرفين من خلال المصاهرة، الأمر الذي يحد من شدة العداء أو الصدام الدموي البغيض.
(1) البقرة: 221.
(2) البقاعي، ابراهيم بن عمر، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، القاهرة، مكتبة ابن تيمية، 1973، ج 6، ص 26.
(3) البقرة: 221.
(4) رضا، محمد رشيد، ج 2، ص 352.
(5) الكاساني، ج 3، ص 414، قطب، سيد، في ظلال القرآن، بيروت، دار إحياء التراث العربي، طبعه 7، 1971، ج 1، ص 351.
(6) محمد، محمد بن عبد السلام، العلاقات الأسرية في الاسلام، الكويت، مكتبة الفلاح، 1987، ص 128.
الصباغ، محمد متولي، الايضاح في احكام النكاح، مكتبة مدبولي، بلا. ت، ص 98. شلبي، محمد مصطفى، احكام الأسرة في الاسلام، بيروت، در النهضة العربية، 1977، ص 228. رضا، محمد رشيد، ج 2، ص 356. حيث يرى ان التباين بين المسلمين وأهل الكتاب إنما سببه سياسة الملوك والرؤساء ولو أقمنا الكتاب وأقاموه لتقاربنا ورجعنا جميعا الى الأصل.