فهذه الآيات جميعا عطف فيها المشركون على أهل الكتاب، والعطف يقتضي المغايرة كما هو معلوم في اللغة العربية.
2 -أننا إذا فرضنا أن المشركين في آية البقرة عام فلا مندوحة لنا من القول بأن آية المائدة قد نسخت أو خصصت هذا العموم لتأخرها بالاتفاق، ولكونها لم ينسخ فيها شيء ولجريان العمل عليها حيث روي أن حذيفة وطلحة وكعب بن مالك وعثمان بن عفان وغيرهم قد تزوجوا من أهل الكتاب ولم ينكر عليهم أحد [1] .
وبعد هذا البيان فإننا نستطيع أن نجمل آراء العلماء في الزواج من الكتابيات على النحو التالي:
أولا: ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من حل الزواج بالكتابية الحرة، حيث نقل ابن قدامة المقدسي عن ابن عمر المنذر قوله: ولا يصح عن أحد من الأوائل أنه حرم ذلك، ونقل الشوكاني أن السلف لم يظهر بينهم خلاف في جواز نكاح الكتابيات، ولا أنكر احد منهم على فاعله [2] .
ثانيا: ما ذهب إليه الشيعة الأمامية من تحريم الزواج بالكتابية على سبيل الدوام وإن كانوا أجازوه على سبيل المتعة، فقد ذكر الطبرسي أن أصحابه قالوا: لا يجوز عقد نكاح الدوام على الكتابية لقوله تعالى:"ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن"ولقوله:"ولا تمسكوا بعصم الكوافر"وأولوا هذه الاية بأن المراد بالمحصنات من الذين اوتوا الكتاب اللاتي أسلمن منهن، والمراد بالمحصنات من المؤمنات اللاتي كن في الأصل مؤمنات بأن ولدن على الاسلام، وذلك أن قوما كانوا يتحرجون من العقد على من أسلمت عن كفر فبين سبحانه وتعالى أنه لا حرج في ذلك، فلهذا أفردهن بالذكر، حكى ذلك أبو القاسم البلخي، قالوا ويجوز أن يكون مخصوصا أيضا بنكاح المتعة وملك اليمين فإن عدنا يجوز وطؤهن بكلا الوجهين [3] . وجاء في البحر الزخار النص بالتحريم حيث قال: ويحرم على المسلم كل كافرة و لو كتابية [4] .
وقد روى مثل هذا الرأي عن ابن عمر أنه سئل عن نكاح اليهودية والنصرانية فقال: إن الله تعالى حرم المشركات على المؤمنين ولا أعلم من الاشراك شيئا أكثر من أن تقول المرأة: ربها عيسى وهو عبد من عباد الله [5] .
ثالثا: ما ذهب إليه ابن عباس من التفريق بين نوعين من نساء أهل الكتاب، حيث أباح حرائر أهل الكتاب الذين أعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وحرم نكاح حرائر أهل الكتاب الحربيات ممن لم يعطوا الجزية، مستدلا
(1) رضا، محمد رشيد، ج 6، ص 180. ابن الهمام، ج 2، ص 372. الكاساني، ج 3، ص 1415.
(2) ابن قدامة، ج 6، ص 589، الشوكاني، ج 2، ص 253.
الجصاص ج 2، ص 297.
(3) الطبرسي، الفضل بن حسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، بيروت، دار إحياء التراث العربي طبعه أولى، بلا. ت ج 3، ص 204. الحلي، حيث قال: ولا يجوز للمسلم أن ينكح غير الكتابية إجماعا وفي الكتابية قولان، أظهرهما أنه لا يجوز غبطة ويجوز متعة، ص 179.
(4) المرتضى، أحمد، ج 4، ص 40.
(5) قلعة جي، محمد، ص 707. والمروي عن ابن عمر يظهر أنه كان متوقفا في هذه المسألة على الأرجح من الروايات. الجصاص، ج 2، ص 398. ورضا محمد رشيد، ج 6، ص 194.