وكلما كانت صلة المؤسس بربه قوية، وإخلاصه عظيمًا كان بناؤه الذي بناه أرسخ، وأعظم أثرًا وأكمل عطاءًا، وهذه سمة بارزة في كل من أسس عملًا وأقام بناء، وأستاذنا -فيما يظهر واضحًا جليًا في ثنايا سيرة حياته- كان قد اكتمل له من الصفات والسجايا والمزايا ما ساعده على إقامة هذا البناء الراسخ والعلم الشامخ، ومن فضل الله تعالى عليه أنه لم يغادر هذه الدنيا إلا وقد ترك خلفه جيلًا يؤمن بدعوته، وأشخاصًا يثقون بفكرته، فصار بذلك في مصاف المؤسسين العظام الذين غيروا مجرى التاريخ، واستطاعوا أن يجددوا المسيرة ويضيئوا الطريق.
وإن الصحوة الإسلامية اليوم -وهي تتلمس طريقها في الظلمات حولها نحو ضياء النصر والتمكين- لفي أمس الحاجة إلى هذه الصفات الجليلة التي كان يتصف بها الأستاذ بديع الزمان النورسي لتربي عليها النشء الإسلامي الجديد إن شاء الله تعالى، فإنني قد قلت مرارًا -وأقولها بدون مورابة ولا تردد- إن الصحوة الإسلامية اليوم لم تؤت أكلها وثمارها المرجوة، ولم تصل بعد إلى ما ينبغي أن تصل إليه إثر تضحيات الرواد الأوائل وبذلهم وعطائهم إلا بسبب ما يعتري كثيرًا من أبنائها من الضعف والتراخي، وسقوط الهمة، وقلة البذل، وتدني العطاء، هذا هو السبب الاول في ظني وتقديري لتعثر المشروع الإسلامي العام، ولذلك كنت سعيدًا بهذه الندوة وأمثالها لأنها تدعو -بطريق غير مباشرة- العاملين إلى التحلي بهذه الصفات، وإلى التمسك بهذه الخلال، فإنه بدون صبر