الأشخاص أثمن ما ترك السلف ثروة للخلف من هذه الكتب القيّمة، وتصرّفوا فيها تصرف المُلاّك، فباعوها مع نفاستها بالثمن البخس، ولا أدل على مقدار ما فقدت مكتبات الأزهر في الماضي من المثال الآتي:-
/ حوالي 1270 هـ / 1852 م أمر ديوان عموم الأوقاف بجرد مكتبات المساجد 5 أ والتكايا، وأروقة الأزهر وحاراته [1] ، وقيدت جميعها في سجلين جامعين، خصص أولهما لمكتبات الجامع الأزهر، وثانيها لمكتبات المساجد والتكايا، وقد بلغ مجموع المجلدات الموجودة في ذلك الوقت في مكتبات أروقة الأزهر وحاراته (18564) مجلدا، فإذا رجعنا الآن إلى هذا السجل التاريخي، فلا نجد من أثمن الكتب وأنفسها إلاّ أسماءها، وكأنّ هذين السجلين أنشئا ليكونا في الواقع مرشدا لأيدي الاغتيال، التي عمدت إلى أنفس ما في المكتبات من المؤلفات الأصلية القيمة، فانتهبتها انتهابا، وأغرب من هذا أنّ نفس السجلين تسربا أيضا إلى أيد أجنبية، خارج الأزهر، ولم يعودا إليه إلاّ بالشراء سنة 1911 م، ودفع لهما ثمن قدرة (150) مليما، وأعيد تقييدهما بالمكتبة / ويقول الاستاذ [2] 5 ب عبد الكريم سليمان:"كان في الأزهر خزائن كتب وضعت في بعض الأروقة والحارات، وبعضها في المساجد القريبة، كجامع الفاكهاني، وجامع العيني، ونيط حفظها جميعا بأشخاص يقال لهم: المفيرون، فتصرفوا فيها تصرفا سيئا للغاية، صحّ معه إطلاق اسم المغيرين عليهم؛ لأنهم غيّروا وضعها، وشتتوا جمعها، ومزقوا جلودها وأوراقها، وتركوا ما لا عناية لهم به منها في التراب، يأكله العث، ويُبليه التراب، وهذا غير ما تصرفوا فيه تصرف الملاّك، وصار بأيدي باعة الكتب، يُباع على نفاسته بالثمن البخس، ولم يُبال المتصرف الأول والباعة بما كتب على ظهور تلك الكتب من العبارات التي تفيد وقفها على طلبة العلم والعلماء / وبالجملة فلم يكن ليعرف للكتب قيمة، ولا ينتفع بها 6 أ لعدم إمكان الانتفاع".
لقد كان تعرض كتب الأروقة والحارات للضياع، والتسرب إلى أيدي المترصدين لها ممن يعرف مقدارها، هو الذي أوحى إلى الاستاذ الإمام بفكرة إنشاء المكتبة، وقد تقدم بها إلى مجلس إدارة الأزهر، وكان ذا نفوذ فيه، فنالت القبول من أعضائه، وبخاصة المغفور لهما: الشيخ حسونة النواوي، شيخ الجامع الأزهر إذ ذاك، الذي وهبها مكتبته الخاصة،
(1) الحارات جمع حارة وهي أماكن يوضع بها دواليب وخزن وأمتعة المجاورين، وهذه الحارات عبارة عن طرق يتوصل منها وبها إلي الأروقة وإلي صحن الجامع ومقصورته، وكان بها أماكن للسكن والعبادة والاعتكاف شأنها شأن الأروقة، تماما، وكما كان لكل رواق أسم يتميز به عن غيره فكذلك كان لكل حارة اسم يميزها عن غيرها من الحارات وعددها ثلاث وعشرون حارة، ولكل حارة شيخ ونقيب وخازن ومجاورين لهم مرتبات ثابتة كالأروقة تماما، وقد نسبت كل منها إلي بلاد المجاورين الذي يقيمون فيها، أو إلي بعض المشايخ من الأشخاص الذين لهم سمعة طيبة بالأزهر ومن هذه الحارات: حارة البجيرمية، حارة البقري
حارة الزراقن، حارة الأجاهرة، حارة العفيف، حارة الخميس حارة البشابشة، حارة الشيخ سلطان، حارة السليمانية، حارة الدهامشة، حارة الشنوانية، حارة المناصرة:
(2) ص 28 من كتابه أعمال مجلس إدارة الأزهر في عشر سنين، طبع المنار 1323 هـ.