الصفحة 3 من 26

من نظم الأزهر نظام الأروقة [1] ، والرواق هو البناء الذي يسكنه جماعة من الطلبة مُتَّحدي الجنس أو المذهب، كرواق الأتراك، والمغاربة، والسنارية، والحنفية، وقد أنشأ هذه الأروقة أهل البر من المسلمين تيسيرا لطلب العلم، وابتغاء المثوبة، وللأزهر جملة من الأروقة، يبلغ عددها (29) / رواقا، وآخر ما أُنشئ منها الرواق العباسي، وهو 3 ب أوسطها، وأفخمها، أنشأه عباس باشا حلمي الثاني سنة 1315 هـ، وقد كان من تمام التيسير على طلبة العلم أن يكون للرواق مكتبة خاصة به، تبتدئ بعدد قليل من الكتب، يقفها أهل الخير، ثم تتكاثر، وعلى هذا كان لكثير من الأروقة مكتبات خاصة، لا تخضع لنظم المكتبات التي عُرفت أخيرا، بل كان الانتفاع بها متروكا لمن ينشده من أهل الرواق، أو غيرهم، وليس في التاريخ نص صريح على أنه كان للأزهر مكتبة عامة قبل هذه المكتبة، كما أنه يتعذر تحديد الوقت الذي أثنشئت فيه مكتبات الأروقة، وكل ما يمكن أن يقال عنها أنها قديمة، أو قديمة جدا.

وقد لبثت مكتبات الأروقة على النحو الذي ذكرنا من عدم الضبط، وإهمال الرقابة إلى الوقت الذي أفاق / فيه الأزهر على صوت مصلحة، وباعث نهضته، ومجدد مجده 4 أ الإمام محمد عبده، فقد كان فيما تناوله تفكيره في الإصلاح إنشاء مكتبة أزهرية عامة، تجمع شتات هذه الكتب المتفرقة في مكتبات الأروقة، وتحفظ ما بقي من ذلك التراث العلمي الذي خلفه علماء المسلمين، وبخاصة علماء الجامع الأزهر في العصور المتعاقبة من العبث والضياع، فقد ذكر بعض الباحثين [2] أنّ كثيرا من نفائس الكتب التي كانت مودعة بمكتبات الأروقة، تسرب إلى أيدي علماء أوروبا بواسطة سماسرة الكتب، واستغلال الجهل، والضعف الخلقي في نفوس القائمين على هذه المكتبات.

فحين رؤي تنظيم الجامع الأزهر، وتوحيد مكتبته ظهر / وهْن الضمائر، 4 ب وضعف النفوس، وإهمال الواجب نحو الكتب، التي لعبت بها أيدي الضياع، فتسرب بعضها، وأهمل البعض الآخر للحشرات والأتربة، فتلفت أوراقها، وبليت ومُزِّقت، وخُرِمت وقطّعت جلودها، وأصبح لا يوجد منها كتاب سليم إلاّ ما ندر، ويظهر للباحث أنّ كتب الأزهر قبل سنة 1897 م كانت تتسرب لمتصيّديها المتربصين لها، منتهزين فرصة وجودها في عهدة أشخاص، ملأ الجهل صدورهم، وتبرأت الأمانة من قلوبهم بداعي الحاجة أو الإغراء، فأساءوا للتعليم، وخانوه جهلا، أو عمدا، أو تقصيرا من أُولي الشأن، فبدد هؤلاء

(1) الأروقة: أماكن للإعاشة الكاملة طعاما وإقامة وكسوة وجرايات ومرتبات ومخصصات كثيرة وخدمات تقدم لطلبة العلم من المصريين وغيرهم.

(2) الاستاذ حسن عيسى في تقريره عن مكتبة الأزهر سنة 1935/

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت