الصفحة 27 من 30

لا نعلم ذلك، لكن وجهه ما قدمنا من أن المقيم العازم على إقامة معينة لا يقصر إلا بإذن، كما أن المتردد كذلك، ولم يأت الإذن بزيادة على ذلك، ولا ثبت عن الشارع غيره.

واعلم أن هذه الثلاثة الأبحاث المذكورة في هذا الباب هي من المعارك التي تتبلد عندها الأذهان، وقد اضطربت فيها المذاهب اضطرابا شديدا وتباينت فيها الأنظار تباينا زائدا. اهـ

وتبعه صديق حسن خان في الروضة الندية -كعادته- إذ أتى بنص الشوكاني [1] .

وقال الشوكاني في السيل الجرار [2] : قوله: أو يتعدى في أي موضع شهرا.

أقول: الذي لم يعزم على إقامة مدة معينة لا يزال يقصر حتى يمضي له قدر المدة التي أقامها رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة عام الفتح وفي تبوك، وقد روي أنه أقام في مكة ثماني عشرة ليلة كما في رواية، أو تسع عشرة ليلة كما في رواية أخرى، أو سبع عشرة ليلة كما في رواية ثالثة.

وروي أنه قام بتبوك عشرين ليلة، فإذا مضى للمتردد الذي لم يعزم على إقامة معينة عشرون ليلة أتم صلاته.

فإن قلت: ومن أين لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لو أقام أكثر من هذه المدة لأتم صلاته؟

قلت: المقيم ببلد قد حط رحله وذهب عنه مشقة السفر فلولا أنه صلى الله عليه وسلم قصر في هذه المدة لما كان القصر في ذلك سائغا، فعلينا أن نقتصر على المدة التي قصر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأطلق عليه وعلى من معه فيها اسم السفر؛ فقال: أتموا يا أهل مكة فإنا قوم سفر.

وقد أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس قال: لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة اقام فيها تسع عشرة ليلة فنحن إذا سافرنا فأقمنا تسع عشرة ليلة قصرنا وإن زدنا أتممنا.

فهذا حبر الأمة يقول هكذا، وهو الحق اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قصر فيه مع الإقامة، ورجوعا إلى الأصل، وهو أن المقيم يتم صلاته فيما زاد على ذلك.

قوله: أو يعزم هو أو من يريد لزامه على إقامة عشر.

أقول: قد قدمنا لك أن المقيم الذي حط رحل السفر لا يقصر إلا بدليل وقد ثبت فيمن لم يعزم على إقامة معينة ما قدمناه.

وأما من عزم على إقامة معينة فلم يثبت فيه إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم قصر الصلاة في عام حجه في أيام إقامته بمكة، وهو قدم مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة، فأقام بها الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الصبح في اليوم الثامن بمكة، ثم خرج إلى منى، فقد عزم صلى الله عليه وسلم على إقامة هذه الأربعة الأيام بمكة وقصر الصلاة فيها، فمن عزم على إقامة أربعة أيام بمكة قصر، وإن عزم على إقامة أكثر منها أتم اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجوعا إلى الأصل وهو أن المقيم يتم. اهـ

وكلامه في المسألة الأولى ليس هو من موضوعنا وقد وافق فيه الشافعية وغيرهم، وأما كلامه في المسألة الثانية فهي مسألتنا، وظاهر كلامه في السيل الجرار يوافق ما عليه الفقهاء، فإن أخذنا بظاهره فهو هذا، وإن حملناه على كلامه في الدرر وشرحها فلا غرابة، وإن كان الرجل قد يكون إنما استقر هذا عنده فيما بعد، والدرر إنما هي خلاصة آرائه، وإخالها آخر أو من آخر ما كتب، ولذلك لم يذكر هذا الرأي في نيل الأوطار وهو سابق على السيل الجرار، والله أعلم.

هذا ما تيسر جمعه، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

كتبه الفقير إلى الله تعالى

عبدالرحمن بن فهد الودعان

الجمعة 24/ذوالقَعدة/1424 هـ

(1) الروضة الندية 1/ 405 مع التعليقات الرضية للألباني.

(2) السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار 1/ 308 ـ 309.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت