الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، أما بعد [1] :
فهذا مجموع ذكرت فيه كلام الأعلام من المتقدمين والمتأخرين في مسألة المسافر إذا أقام ببلد مدة بغير نية الاستيطان لكنها مدة ينقطع عنه فيها حكم السفر؛ بأنه يلتزم أحكام المقيم من أول يوم يدخل فيه البلد، فلا يقصر ولا يجمع، ولا يزيد في مسح خفيه أو جوربيه على اليوم والليلة، ولا يفطر في نهار رمضان؛ من حين دخوله البلد ناويا الإقامة فيها فوق أربعة أيام، وأن الفقهاء رحمهم الله متفقون - في الجملة- على أنه من حكم له بانقطاع السفر لا يترخص أول أيامه ثم يترك الترخص بعدها؛ بل عليه ترك الترخص من أول يوم حل فيه موضعا نوى الإقامة فيه مدة تقطع حكم السفر.
وكان السبب في جمعه أني كنت سمعت من بعض الزملاء من الأقران ـ قبل عدة سنوات ـ أن من نوى إقامة فوق أربعة أيام ببلد لا ينوي استيطانها أنه يترخص الأيام الأربعة الأولى ثم يأخذ أحكام المقيم فيما بعدها، وكنت بينت له خطأ كلامه على ما هو المشهور عند أهل العلم، وما عليه علماؤنا وشيوخنا القائلون بالتحديد.
ثم سألني بعض تلامذتي غير مرة عن المسألة، وكان يسبق إلى أذهانهم هذا الفهم، فكنت أبين لهم غلطه، وما هو المشهور في المراد بالمسألة، ولم يكن هذا بالمستغرب على الطلبة ولا حتى على بعض الأقران؛ لأنه مما قد ينبو عنه فهم اللبيب.
إلا إنه قد جمعني العمل في المناهج الدراسية يوما بأحد فضلاء الشيوخ، وكنا نشترك في لجنة للعمل في تعديل كتب الفقه للمرحلة المتوسطة فاعترض على عبارة في كتاب الفقه للصف الأول المتوسط ص 91 هذا نصها: إذا وصل المسافر بلدا وأراد الإقامة بها أربعة أيام فأكثر؛ فإنه يجب عليه الإتمام. اهـ
وتبين لي أنه يفهم المسألة بالفهم السابق، وقال: هذا ما أَفْهَمه وأُدَرِّسه طلبتي. فيينت له ما عندي ووجهه، فلم يقنع بذلك، فرغبت إليه بحث المسألة ليتبين الصواب من الغلط في فهمها، فلم ير ذلك، وقال: تبحثها أنت. [2]
فجمعت هذا المجموع الذي بين يديك وغرضي منه بيان المراد بكلام الفقهاء والمفتين [3] ، لا تَبَنِّي أصل المسألة من عدمه؛ فهذا له موضع آخر، وكما قال الشوكاني ـ عن هذه المسألة وصويحبات لها ـ [4] : هي من المعارك التي تتبلد عندها الأذهان، وقد اضطربت فيها المذاهب اضطرابا شديدا وتباينت فيها الأنظار تباينا زائدا. اهـ
وليس مرادي أيضا تحرير النزاع في المسألة وتحرير أقوال الناس فيها؛ وإلا فقد خالف في ذلك ابن حزم والشوكاني -رحمهما الله تعالى- [5] ، وإنما أردت بيان مراد الفقهاء بها، وأن من فهمها على غير مرادهم ونسب ذلك لهم فقد غلط، أما من تبنى رأي ابن حزم أوالشوكاني في المسألة، عالما بالخلاف، ومتحققا منه، ورادا على الفقهاء ما قالوه؛ فليس الكلام معه.
وسميت هذا المجموع بـ: الإلمام بمعنى قول الفقهاء الأَعلام: من نوى الإقامة فوق أربع لزمه الإتمام.
(1) هكذا السنة كما هو ثابت في أحاديث كثيرة، وبعض المتقدمين وكثير من المتأخرين يقولون أو يكتبون: وبعد، والثابت في السنة أولى لمن أراد الاقتداء، والله أعلم.
(2) وقد أعلن الشيخ تراجعه عن قوله هذا في المجلس التالي بعد كتابة هذه الرسالة وقبل اطلاعه عليها، وذكر أنه راجع فيها بعض الشيوخ فتبين له صحة ما نقلته له من مراد الفقهاء؛ إلا إنه بلغني عنه من بعض الطلبة أنه رجع إلى قوله السابق فلعله نسي الموضوع وذهل عنه فالله يوفقنا وإياه للهدى.
(3) هذا الرأي الفقهي هو قول المذاهب الثلاثة وبه يفتي ابن إبراهيم وابن باز والفوزان واللجنة الدائمة وغيرهم وستأتي فتاويهم بعد، على أنهم قد يختلفون اختلافا يسيرا في المسألة فيمن نوى إقامة أربع أو فوقها، والخطب فيه يسير، وليس هو موضوع الرسالة.
(4) الدراري المضية ص 171.
(5) وبعض عبارات السلف قد توافق في ظاهرها ما ذهبا إليه كما في قول ابن عباس في البخاري، ويأتي في كلامهما، ولست بصدد تحرير ذلك.