الصفحة 26 من 30

وكان معه عليه السلام متمتعون وكان هو عليه السلام قارنا، فصح ما قلناه في الحج والعمرة ولله الحمد.

فخرجت هذه الإقامة بهذا الأثر في الحج والعمرة حيث أقام عن حكم سائر الإقامات ولله تعالى الحمد.

فإن قيل [1] : أليس قد رويتم من طريق ابن عباس وعمران بن الحصين روايات مختلفة في بعضها أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة تسع عشرة، وفي بعضها ثمان عشرة، وفي بعضها سبع عشرة، وفي بعضها خمس عشرة يقصر الصلاة؟

قلنا: نعم وقد بين ابن عباس أن هذا كان في عام الفتح، وكان عليه السلام في جهاد، وفي دار حرب؛ لأن جماعة من أهل مكة كصفوان وغيرهم لهم مدة موادعة لم تنقض بعد، ومالك بن عوف في هوازن قد جمعت له العساكر بحنين على بضعة عشر ميلا، وخالد بن سفيان الهذلي على أقل من ذلك يجمع هذيلا لحربه، والكفار محيطون به محاربون له فالقصر واجب بعد في أكثر من هذه الإقامة، وهو عليه السلام يتردد من مكة إلى حنين، ثم إلى مكة معتمرا ثم إلى الطائف. وهو عليه السلام يوجه السرايا إلى من حول مكة من قبائل العرب كبني كنانة وغيرهم.

فهذا قولنا وما دخل عليه السلام مكة قط من حين خرج عنها مهاجرا إلا في عمرة القضاء أقام بها ثلاثة أيام فقط، ثم حين فتحها كما ذكرنا محاربا، ثم في حجة الوداع أقام بها كما وصفنا ولا مزيد.

قال علي: وأما قولنا إن هذه الإقامة لا تكون إلا بعد الدخول في أول دار الحرب وبعد الإحرام؛ فلأن القاصد إلى الجهاد ما دام في دار الإسلام فليس في حال جهاد، ولكنه مريد للجهاد وقاصد إليه، وإنما هو مسافر كسائر المسافرين إلا أجر نيته فقط، وهو ما لم يحرم فليس بعد في عمل حج ولا عمل عمرة لكنه مريد لأن يحج أو لأن يعتمر فهو كسائر من يسافر ولا فرق.

قال علي [2] : وكل هذا لا حجة لهم فيه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل إذ أقام بمكة أياما: إني إنما قصرت أربعا لأني في حج، ولا لأني في مكة.

ولا قال إذ أقام بتبوك عشرين يوما يقصر: إني إنما قصرت لأني في جهاد.

فمن قال شيئا من هذا فقد قوّله عليه السلام ما لم يقل، وهذا لا يحل.

فصح يقينا أنه لولا مقام النبي عليه السلام في تبوك عشرين يوما يقصر، وبمكة دون ذلك يقصر لكان لا يجوز القصر إلا في يوم يكون فيه المرء مسافرا، ولكان مقيم يوم يلزمه الإتمام.

لكن لما أقام عليه السلام عشرين يوما بتبوك يقصر صح بذلك أن عشرين يوما إذا أقامها المسافر فله فيها حكم السفر، فإن أقام أكثر أو نوى إقامة أكثر فلا برهان يخرج ذلك عن حكم الإقامة أصلا.

ولا فرق بين من خص الإقامة في الجهاد بعشرين يوما يقصر فيها، وبين من خص ذلك بتبوك دون سائر الأماكن.

وهذا كله باطل لا يجوز القول به إذ لم يأت به نص قرآن ولا سنة وبالله تعالى التوفيق.

ووجب أن يكون الصوم بخلاف ذلك لأنه لم يأت فيه نص أصلا، والقياس لا يجوز فمن نوى إقامة يوم في رمضان فإنه يصوم، وبالله تعالى التوفيق.

ثم قال [3] : ومن العجب العجيب إسقاط أبي حنيفة النية حين افترضها الله تعالى من الوضوء للصلاة وغسل الجنابة والحيض، وبقائه في رمضان ينوي الفطر إلى قبل زوال الشمس، ويجيز كل ذلك بلا نية، ثم يوجب النية [4] فرضا في الإقامة حيث لم يوجبها الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم ولا أوجبها برهان نظري.

قال علي: وبرهان صحة قولنا أن الحكم لإقامة المدد التي ذكرنا كانت هنالك نية لإقامة أو لم تكن؛ فهو: أن النيات إنما تجب فرضا في الأعمال التي أمر الله تعالى بها، فلا يجوز أن تؤدى بلا نية، وأما عمل لم يوجبه الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم فلا معنى للنية فيه؛ إذا لم يوجبها هنالك قرآن ولا سنة ولا نظر ولا إجماع.

والإقامة ليست عملا مأمورا به، وكذلك السفر وإنما هما حالان أوجب الله تعالى فيهما العمل الذي أمر الله تعالى به فيهما فذلك العمل هو المحتاج إلى النية لا الحال.

وهم موافقون لنا أن السفر لا يحتاج إلى نية؛ ولو أن امرءا خرج لا يريد سفرا فدفعته ضرورات لم يقصد لها حتى صار من منزله على ثلاث ليال أو سير به مأسورا أو مكرها محمولا مجبرا فإنه يقصر ويفطر، وكذلك يقولون فيمن أقيم به كرها فطالت به مدته؛ فإنه يتم ويصوم، وكذلك يقولون فيمن اضطر للخوف إلى الصلاة راكبا أو ماشيا فذلك الخوف وتلك الضرورة لا يحتاج فيها إلى نية، وكذلك النوم لا يحتاج إلى نية وله حكم في إسقاط الوضوء وإيجاب تجديده وغير ذلك، وكذلك الإجناب لا يحتاج إلى نية وهو يوجب الغسل، وكذلك الحدث لا يحتاج إلى نية وهو يوجب حكم الوضوء والاستنجاء.

فكل عمل لم يؤمر به لكن أمر فيه بأعمال موصوفة فهو لا يحتاج إلى نية، ومن جملة هذه الأعمال هي الإقامة والسفر فلا يحتاج فيهما إلى نية أصلا، لكن متى وجدا وجب لكل واحد منهما الحكم الذي أمر الله تعالى به فيه ولا مزيد، وبالله تعالى التوفيق، وهذا قول الشافعي وأصحابنا.

ثانيا: كلام الشوكاني

قال الشوكاني في الدرر البهية [5] : يجب القصر على من خرج من بلده قاصدا للسفر وإن كان دون بريد، وإذا أقام ببلد مترددا قصر إلى عشرين يوما، وإذا عزم على إقامة أربع أتم بعدها.

قال في شرحه الدراري المضية [6] : وأما كونه إذا أقام المتردد ببلد قصر إلى عشرين يوما ثم يتم فوجهه: أن من حط رحله بدار إقامة فقد ذهب عنه حكم السفر، وفارقته المشقة، فلولا أن الشارع سمى من أقام كذلك مسافرا، وقال: أتموا يا أهل مكة فإنا قوم سفر لما كان حكم السفر ثابتا له، فالواجب الاقتصار في القصر مع الإقامة على المقدار الذي سوغه الشارع، وما زاد عليه فللمسافر حكم المقيم، يجب عليه أن يتم صلاته؛ لأنه مقيم لا مسافر، وقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة في غزوة الفتح قيل: ثماني عشرة ليلة، وقيل: أقل من ذلك وفي صحيح البخاري وغيره: تسع عشرة ليلة، وأخرج أحمد وأبو داود من حديث جابر قال: أقام النبي صلى الله عليه وسلم بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة، وأخرجه أيضا ابن حبان والبيهقي، وصححه ابن حزم والنووى.

فوجب علينا أن نقتصر على هذا المقدار، ونتم بعد ذلك، ولله در الحبر ابن عباس ما أفقهه وأفهمه للمقاصد الشرعية؛ فأنه قال فيما رواه عنه البخاري وغيره: لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة أقام فيها تسع عشرة ليلة يصلي ركعتين، قال: فنحن إذا سافرنا فأقمنا تسع عشرة قصرنا، وإن زدنا أتممنا. وأقول: هذا هو الفقه الدقيق، والنظر المبني على أبلغ تحقيق، ولو قال له جابر: أقمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك عشرين ليلة، نقصر الصلاة؛ لقال بموجب ذلك، وفي المسألة مذاهب هذا أرجحها لدى.

ثم قال [7] : وأما كونه إذا عزم على إقامته أربع أتم بعدها فوجهه: ما عرفناك؛ من أن المقيم لا يعامل معاملة المسافر إلا على الحد الذي ثبت عن الشارع، ويجب الاقتصار عليه، وقد ثبت عنه مع التردد ما قدمنا ذكره، أما مع عدم التردد بل العزم على إقامة أيام معينة؛ فالواجب الاقتصار على ما اقتصر عليه صلى الله عليه وسلم مع عزمه على الإقامة في أيام الحج فإنه ثبت في الصحيحين: أنه قدم مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة، فأقام بها الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الصبح في اليوم الثامن ثم خرج إلى منى، فلما أقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة أربعة أيام يقصر الصلاة ـ مع كونه لا يفعل ذلك إلا عازما على الإقامة إلى أن يعمل أعمال الحج ـ كان ذلك دليلا على أن العازم على إقامة مدة معينة يقصر إلى تمام أربعة أيام، ثم يتم، وليس ذلك لأجل كونه صلى الله عليه وسلم لو أقام زيادة على الأربع لأتم، فإنا

(1) المرجع السابق 5/ 27.

(2) المرجع السابق 5/ 28.

(3) المرجع السابق 5/ 29 ـ 30.

(4) لا يخفى أنه لا أبو حنيفة ولا غيره يوجب نية في هذا الموضع أو حتى يراها مشروعة؛ إنما هم يرتبون عليه إن نوى كذا حكما.

(5) الدرر البهية مع الدراري المضية ص 166.

(6) الدراري المضية شرح الدرر البهية ص 168 ـ 169.

(7) المرجع السابق ص 170.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت