عامة العلماء القائلين بتحديد مدة لانقطاع السفر ـ مع اختلافهم في تحديد المدة التي إذا نواها انقطع سفره ـ اتفقوا على أن العبرة بمجرد نية الإقامة والعزم عليها؛ لا أنه يقيم المدة التي حددوها لانقطاع السفر مترخصا، ثم يترك الترخص بعدها.
وجعلوا الحكم بانقطاع السفر وحصول الإقامة مقيدا بوجود النية والعزم، لا بالفعل؛ وتتفق كلمة الفقهاء على ذلك، ولم أقف على خلاف فيه إلا ما سيأتي نقله عن ابن حزم والشوكاني ـ إن شاء الله تعالى ـ.
وكثير منهم قد صرحوا بأن من نوى الإقامة المدة التي ينقطع فيها عنه حكم السفر؛ فإنه يتم من أول دخوله البلد التي قدم إليها بهذه النية كما سيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ في كلامهم.
وأنا أذكر ما تيسر من نصوصهم في المسألة على غير جهة الاستقصاء، فهذا لا يمكن حصره، إنما على جهة التمثيل، ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق، وفيه مقنع وكفاية لطالب الحق.
على أني أنبه على أن بعض الفقهاء رحمهم الله تعالى قد قالوا بنحو هذا القول لكن في المسافر الذي لا ينوي إقامة بل يكون مترددا في نيته، فقد قال بعضهم: يقصر حتى يبلغ أربعة أيام ثم يتم، وهذه غير مسألتنا، وهذا القول فيها ضعيف، وأكثرهم على أنه يقصر أبدا ما دام لم ينو إقامة محددة بل بقي مترددا، ولعل هذه المسالة من أسباب الاشتباه والغلط عند من فهم الفهم المذكور، والله أعلم.