ذهب ابن حزم الظاهري في المحلى، والشوكاني في الدرر البهية مع شرحه الدراري المضية ـ وتابعه صاحبه صديق حسن خان ـ إلى مذهب يوافق في الجملة الرأي الذي نبهنا على أنه فهم مغلوط لكلام الفقهاء؛ مع الاختلاف في قدر الأيام التي يترخص فيها المسافر حال إقامته؛ حيث حدها ابن حزم بعشرين يوما [1] ؛ وأما الشوكاني فهو موافق - في العدد- لبعض الفقهاء حيث حدها في الدرر البهية وشرحه: بأنه إذا عزم على إقامة فوق أربعة أيام قصر في هذه الأربعة ثم أتم الصلاة بعدها، فهو على هذا موافق تمام للقول الذي ذكرنا في مقدمة الرسالة أنه فهم مغلوط لكلام الفقهاء، فلعل من قاله خلط بين قول الفقهاء وما قاله الشوكاني وتفرد به رحمه الله تعالى.
فمن ذهب مذهبهما مرجحا له عالما به، فهذا باب آخر ليس هو الموضع الذي لأجله جمعت الرسالة، وإنما نبهت بها على مراد الفقهاء والمفتين، لا مناقشة قول القائل بخلاف قولهم، فهذا مما لست فيه الآن.
أولا: كلام ابن حزم الظاهري
قال في المحلى وأصله [2] : مسألة: فإن سافر المرء في جهاد أو حج أو عمرة أو غير ذلك من الأسفار فأقام في مكان واحد عشرين يوما بلياليها قصر، وإن أقام أكثر أتم ولو في صلاة واحدة.
ثم ثبتنا بعون الله تعالى على أن سفر الجهاد وسفر الحج وسفر العمرة وسفر الطاعة وسفر المعصية وسفر ما ليس طاعة ولا معصية كل ذلك سفر حكمه كله في القصر واحد.
وإن من أقام في شيء منها عشرين يوما بلياليها فأقل فإنه يقصر ولا بد، سواء نوى إقامتها أو لم ينو إقامتها فإن زاد على ذلك إقامة مدة صلاة واحدة فأكثر أتم ولا بد، هذا في الصلاة خاصة؛ وأما في الصيام في رمضان فبخلاف ذلك بل إن أقام يوما وليلة في خلال السفر لم يسافر فيهما ففرض عليه أن ينوي الصوم فيما يستأنف، وكذلك إن نزل ونوى إقامة ليلة والغد ففرض عليه أن ينوي الصيام ويصوم.
فإن ورد على ضيعة له أو ماشية أو دار فنزل هنالك أتم فإذا رحل ميلا فصاعدا قصر.
قال علي: واختلف الناس في هذا .. ثم ذكر خلاف الناس في المسألة رادا عليه مقررا لمذهبه فيها.
قال [3] : فبطل قولهم على كل حال وعريت الأقوال كلها عن حجة فوجب أن نبين البرهان على صحة قولنا بعون الله تعالى وقوته.
قال علي: أما الإقامة في الجهاد والحج والعمرة فإن الله تعالى لم يجعل القصر إلا مع الضرب في الأرض، ولم يجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم القصر إلا مع السفر لا مع الإقامة، وبالضرورة ندري أن حال السفر غير حال الإقامة، وأن السفر إنما هو التنقل في غير دار الإقامة، وأن الإقامة هي السكون وترك النقلة والتنقل في دار الإقامة هذا حكم الشريعة والطبيعة معا.
فإذ ذلك كذلك فالمقيم في مكان واحد مقيم غير مسافر بلا شك فلا يجوز أن يخرج عن حال الإقامة وحكمها في الصيام والإتمام إلا بنص.
وقد صح بإجماع أهل النقل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل في حال سفره فأقام باقي نهاره وليلته ثم رحل في اليوم الثاني وأنه عليه السلام قصر في باقي يومه ذلك وفي ليلته التي بين يومي نقلته، فخرجت هذه الإقامة عن حكم الإقامة في الإتمام والصيام؛ ولولا ذلك لكان مقيم ساعة له حكم الإقامة.
(1) وابن حزم- رحمه الله تعالى- يغاير بين حكم الصلاة وغيرها من الصيام ونحوه - كما سيأتي في كلامه إن شاء الله تعالى-؛ فليتنبه لذلك.
(2) المحلى 5/ 22.
(3) المرجع السابق 5/ 24 ـ 25.