الصفحة 11 من 34

المبحث الثالث

الإلهام في ميزان الوحي

لقد خلق الله الإنسان في أحسن صورة، ومنحه فطرة صافية، وسخّر له ما في السماوات والأرض، وأعانه على مهمته وهي الاستخلاف عنه في الأرض، وبمقتضى هذا الاستخلاف فضّله الله وكرّمه على مخلوقات الأرض جميعًا، فأعطاه مكانة إيجابية، وإرادة نافذة، ومنحه في سبيل أداء مهمته - مواهب وأعطيات جمّة، ولكن لم يدعه لنفسه أو فطرته، وإنما بعث إليه بالوحي الإلهي الذي هو أسمى درجات الرقي استكمالًا للتأهيل بالهداية والرشاد.

قال تعالى: (ألم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) [1] . والوحي نعمة كبرى، من أجلِّها خصائص المنهج الرباني المطابقة لخصائص الإنسان، الملائمة لطبيعته وكينونته، لأن الإنسان حين يطابق نفسه مع هذا المنهج الرباني يرقى في سلّم الإنسانية صُعُدًا، ويكون مهيأً لمهمته.

وفي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أمثلة من التوجيه إلى هذا التطابق بين المنهج والإنسان، ففي الحديث: (اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنًا، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلمًا .. ) [2] .

وليس ببعيد على الله تعالى أن يصطفي من عباده نفوسًا لها من نقاء الجوهر، وسلامة الفطرة ما يُعدّها للفيض الإلهي، والوحي السماوي، والاتصال بالملأ الأعلى ليلقي إليها برسالاته التي تسد حاجة البشر في رقيّ وجدانه، وسمو أخلاقه، واستقامة نظامه، وهؤلاء هم رُسُله وأنبياؤه.

هذا ولما كان الوحي من رب العالمين، رأينا أن نتكلم عن الوحي وأقسامه بإيجاز، حتى يتضح المقام، ويتبين لنا الفرق بين الإلهام والوحي، وصلة كل منهما بالآخر، فنقول وبالله التوفيق:

(1) سورة البقرة: الآيتان (1 - 2) .

(2) أخرجه الترمذي في سننه رقم 2306، في الزهد، وهو حديث حسن، وابن ماجه في سننه رقم 4217، في الزهد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت